
السفير 24
يتابع المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، بقلق بالغ وإنشغال عميق، التطورات الخطيرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، والمتمثلة في الهجرة الجماعية لآلاف المواطنين المغاربة إليها، بمن فيهم قاصرون، في ظروف تنطوي على مخاطر جسيمة تهدد الحق في الحياة والسلامة الجسدية .
وإذ يعتبر المكتب التنفيذي أن ما وقع لا يمثل مجرد حادث ظرفي أو واقعة معزولة، بل يشكل مؤشراً خطيراً على تعمق الأزمة الإجتماعية والإقتصادية، وإتساع فجوة الثقة بين المواطنين، وخاصة الشباب، والمؤسسات والسياسات العمومية، فإنه يؤكد أن أي مقاربة تختزل هذه الظاهرة في بعدها الأمني، أو تعتبرها فعلاً فردياً أو عابراً، إنما تتجاهل الأسباب البنيوية التي أفرزتها، بإعتبار أن هذه الهجرة الجماعية ليست سوى نتيجة مباشرة لتراكم إختيارات إقتصادية وإجتماعية، أفضت إلى إتساع البطالة، وإرتفاع معدلات الفقر والهشاشة، وتآكل القدرة الشرائية، وتعميق الفوارق الإجتماعية والمجالية، وتراجع الأمل في تحقيق العيش الكريم داخل الوطن .
وإذ يذكر المكتب التنفيذي بدستور المملكة لسنة 2011، الذي ألزم الدولة، بموجب الفصل 31، بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير إستفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في الشغل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والسكن اللائق، والدعم في البحث عن الشغل أو التشغيل الذاتي، والعيش في بيئة سليمة، كما أكد الفصل 34 ضرورة وضع سياسات عمومية موجهة للفئات الهشة بما يضمن إدماجها الاقتصادي والاجتماعي، ونص الفصل 6 على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل احترام القانون والحكامة الجيدة أساساً لتدبير الشأن العام، فإنه يذكر كذلك بأن المغرب، باعتباره طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ملتزم قانوناً بضمان الإعمال التدريجي للحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العمل، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الحماية الاجتماعية، والحق في التعليم. وهي التزامات لا يجوز أن تبقى مجرد نصوص قانونية، بل ينبغي أن تترجم إلى سياسات عمومية قادرة على صيانة كرامة الإنسان وضمان شروط العيش الكريم .
غير أن الواقع يكشف، بكل أسف، إتساع الهوة بين هذه الإلتزامات الدستورية والدولية وبين الأوضاع الاجتماعية للمواطنين، في ظل استمرار معدلات البطالة، وخاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وإرتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع جودة الخدمات العمومية، وإستمرار الفوارق المجالية، وتغول إقتصاد الريع، وإستمرار الفساد والإفلات من المحاسبة، بما أدى إلى تآكل الثقة في المؤسسات، وفي جدوى الوعود والبرامج والسياسات العمومية.
لقد عرف المغرب، خلال السنوات الأخيرة، عدداً من الحراكات والاحتجاجات الاجتماعية التي رفعت مطالب إجتماعية وإقتصادية مشروعة، وفي مقدمتها حراك الريف، والإحتجاجات التي خاضها شباب “جيل زيد”، وغيرها من الأشكال الإحتجاجية السلمية، إلى جانب المبادرات التي أطلقتها مختلف الهيئات الحقوقية والسياسية والنقابية والمدنية دفاعاً عن الحق في الشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية .
وقد شكلت تلك الحراكات والإحتجاجات إنذاراً مبكراً بحجم الإحتقان الإجتماعي وإتساع دائرة التهميش والإقصاء، غير أن الدولة إختارت، في محطات عديدة، تغليب المقاربة الأمنية والمتابعات القضائية على حساب الحوار الجاد والمسؤول، والإستجابة للمطالب الإجتماعية المشروعة، والبحث عن حلول تنموية حقيقية تعالج جذور الأزمة، وهو ما أدى إلى تعميق فقدان الثقة، وإلى تكريس الشعور لدى فئات واسعة من المواطنين، وخاصة الشباب، بأن المؤسسات لم تعد قادرة على الإنصات لتطلعاتهم أو الاستجابة لحقوقهم الدستورية .
إن المكتب التنفيذي يعتبر أن ما نشهده اليوم من هجرة جماعية ليس سوى نتيجة طبيعية لتراكم هذه الاختلالات، وأن المواطنين الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا يبحثون عن المغامرة، وإنما كانوا يبحثون عن الحق في الحياة الكريمة، والحق في الشغل، والحق في الأمل، وهي حقوق يضمنها الدستور والمواثيق الدولية .
كما يسجل المكتب التنفيذي، بقلق بالغ، إستمرار غياب الإرادة السياسية الكفيلة بمعالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، مقابل الإستمرار في إعتماد حلول ظرفية ومقاربات أمنية أثبتت محدوديتها، ذلك أن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظاهرة بأشكال أكثر خطورة.
وعليه، فإن المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب يعلن ما يلي :
* يتقدم بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أسر المواطنين الذين لقوا مصرعهم بعرض البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة .
* يستنكر المعاملة اللاإنسانية التي تعرض لها عدد من المواطنين المغاربة من طرف السلطات الإسبانية، بعد تركهم دون مأكل أو مشرب طوال مدة إحتجازهم، في خرق للمبادئ الإنسانية والإلتزامات الدولية ذات الصلة .
* يندد بالتدخل العنيف، في بعض الحالات، من طرف القوات العمومية المغربية في مواجهة شباب لم يكن مطلبهم سوى البحث عن الكرامة والعيش الكريم .
* يحمل الدولة والحكومات المتعاقبة المسؤولية السياسية عن مآلات السياسات العمومية التي أدت إلى تفاقم البطالة والفقر والهشاشة وإتساع دائرة الإقصاء الإجتماعي .
* يطالب بوضع نموذج تنموي قائم على العدالة الاجتماعية والمجالية، يضمن الحق في الشغل، والتعليم، والصحة، والسكن، والحماية الاجتماعية، وفق ما يقره دستور المملكة والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
* يدعو إلى مراجعة شاملة للسياسات الإقتصادية والإجتماعية، بما يضمن التوزيع العادل للثروة، ومحاربة اقتصاد الريع والفساد، والتفعيل الحقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة .
* يؤكد أن الحق في الاحتجاج السلمي والتعبير عن المطالب الاجتماعية حق دستوري، وأن الحوار الجاد مع الحركات الاجتماعية والفاعلين في المجتمع المدني هو السبيل الكفيل بمعالجة أسباب الإحتقان، وليس اللجوء إلى المقاربات الأمنية .
* يدعو إلى إطلاق حوار وطني مسؤول حول قضايا الشباب والهجرة والبطالة والعدالة الإجتماعية، بمشاركة مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين ومختلف مكونات المجتمع المدني، من أجل بلورة سياسات عمومية تستجيب لانتظارات المواطنين .
* يطالب بإطلاق برامج إستعجالية لفائدة الشباب، توفر فرص الشغل الكريم، وتدعم المبادرات الاقتصادية، وتحد من الفوارق المجالية، وتعيد الاعتبار للمرفق العمومي.
* يطالب بالإفراج عن كافة المعتقلين على خلفية قضايا الرأي والإحتجاجات الإجتماعية، وفي مقدمتهم النقيب محمد زيان، ومعتقلو حراك الريف، ومعتقلو حراك فكيك، وشباب “جيل زيد”، وكافة المعتقلين الذين توبعوا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم في التعبير والإحتجاج، وفتح صفحة جديدة قائمة على الحوار وإحترام الحقوق والحريات، بإعتبار أن بناء الثقة يقتضي معالجة أسباب الإحتقان، لا الاكتفاء بتدبير نتائجه .
إن المكتب التنفيذي يعتبر أن مشاهد الهجرة الجماعية المؤسفة التي تابعها الرأي العام الوطني والدولي لا تمثل أزمة حدود، وإنما أزمة سياسات عمومية، وأزمة ثقة في قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها الدستورية والإجتماعية، وهي في بعدها السياسي والإجتماعي، تعبير واضح عن إحتجاج صامت، وتصويت بالأقدام ضد البطالة والتهميش والإقصاء وغياب العدالة الاجتماعية .
إن الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، وهي تدق ناقوس الخطر، تؤكد أن استمرار تجاهل المؤشرات الاجتماعية المتفاقمة، والتعامل مع المطالب الاجتماعية بمنطق الإنكار أو المقاربة الأمنية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان واليأس، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التنمية .
وإذ يجدد المكتب التنفيذي دعوته إلى إعمال المقتضيات الدستورية والوفاء بالإلتزامات الدولية للمملكة، فإنه يؤكد أن الكرامة الإنسانية ليست شعاراً سياسياً، بل حق دستوري وإنساني أصيل، وأن بناء دولة الحق والقانون لا يتحقق إلا بضمان الحقوق والحريات، وإرساء العدالة الاجتماعية، وصون كرامة المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل الإنسان محور كل السياسات العمومية .
عن المكتب التنفيذي



