
السفير 24
تدخل دائرة الدار البيضاء ـ أنفا الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية على إيقاع منافسة مفتوحة، عنوانها الأبرز تعدد الأسماء ذات التجربة الانتخابية والحزبية، في سباق لا يتعلق فقط بأربعة مقاعد برلمانية، وإنما أيضا بإعادة رسم موازين القوة داخل واحدة من أكثر الدوائر حساسية في العاصمة الاقتصادية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز أسماء محمد شباك، النائب البرلماني الحالي ورئيس مقاطعة أنفا، وحسان البركاني، النائب البرلماني ورئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة الدار البيضاء ـ سطات، إلى جانب نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة والبرلمانية الحالية، فضلا عن أسماء أخرى تدخل المنافسة بثقل حزبي وتجارب مختلفة.
وما يجعل سباق أنفا مفتوحا على حسابات دقيقة هو أن نتائج انتخابات 2021 أفرزت خريطة لم تكن مطابقة لما عرفته الدائرة في 2016؛ فقد تصدر التجمع الوطني للأحرار عبر محمد شباك بـ16,146 صوتا، وحل حزب الاستقلال ثانيا عبر حسان البركاني بـ6,139 صوتا، فيما حصل الأصالة والمعاصرة على مقعد عبر سعيد الناصري، والعدالة والتنمية على المقعد الرابع عبر عبد الصمد حيكر.
هذه الأرقام تجعل استحقاق 2026 مختلفا عن مجرد إعادة إنتاج للمشهد السابق. فشباك يدخل السباق من موقع نائب برلماني ورئيس مقاطعة أنفا، بينما يعود البركاني للدفاع عن المقعد الذي حصل عليه في الاستحقاق السابق، في وقت اختار فيه الأصالة والمعاصرة الدفع بنجوى كوكوس بدلا من سعيد الناصري الذي مثل الحزب في انتخابات 2021.. ومن هنا تبدأ الحسابات السياسية والانتخابية الأكثر تعقيدا.
فوجود ثلاثة نواب حاليين ضمن المتنافسين يجعل الحملة الحالية تحمل، بشكل طبيعي، سؤال الحصيلة إلى جانب سؤال البرنامج. فالناخب لا يواجه فقط أسماء جديدة تطلب ثقته، بل أسماء سبق لها أن دخلت البرلمان، وهو ما يفتح الباب أمام مقارنة التجربة السابقة بالوعود والالتزامات الجديدة.
محمد شباك، بحكم موقعه البرلماني ورئاسته لمقاطعة أنفا، يخوض المنافسة وهو يحمل تجربة تدبيرية وانتخابية داخل الدائرة نفسها. أما حسان البركاني، فيعود إلى السباق من موقع برلماني وتجربة على مستوى رئاسة الغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات، بما يجعل حضوره مرتبطا أيضا بالملفات الاقتصادية والتجارية والمهنية التي تشكل جزءا من النقاش العمومي بالدار البيضاء.
في المقابل، تدخل نجوى كوكوس المنافسة من موقع مختلف، باعتبارها رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة وبرلمانية حالية، وهو ما يمنح ترشيحها بعدا حزبيا واضحا داخل دائرة يعرفها الحزب جيدا، لكنه يدخلها هذه المرة بوجه جديد على رأس لائحته.
ولا تتوقف معادلة أنفا عند هذه الأسماء الثلاثة، إذ تضم الدائرة أيضا عبد الصمد حيكر عن العدالة والتنمية، ونبيلة منيب عن تحالف اليسار الديمقراطي، وكنزة الشرايبي عن الاتحاد الدستوري، ولطيفة الشريف عن الاتحاد الاشتراكي، ومحمد بنموسى عن التقدم والاشتراكية، وهو تعدد يجعل توزيع الأصوات عاملا أساسيا في قراءة المشهد.
وتزداد صعوبة الحسابات بالنظر إلى طبيعة الدائرة نفسها، التي شهدت تحولات انتخابية واضحة بين 2016 و2021. ففي الوقت الذي تصدر فيه التجمع الوطني للأحرار نتائج 2021، عرف العدالة والتنمية تراجعا كبيرا مقارنة بالاستحقاق السابق، كما تغير موقع الأصالة والمعاصرة داخل الخريطة الانتخابية للدائرة.
كما أن ملفات محلية واجتماعية، من بينها تداعيات مشروع المحج الملكي وقضايا السكن وإعادة الإيواء، أصبحت حاضرة في النقاش الانتخابي، وهو ما قد يجعل التواصل المباشر مع سكان الأحياء والإنصات إلى انتظاراتهم جزءا مهما من خطاب المرشحين خلال الأيام الأخيرة من الحملة. وقد تناولت تقارير إعلامية حديثة هذه الملفات باعتبارها من القضايا التي تحضر في النقاش حول دائرة أنفا.
وبين شباك والبركاني وكوكوس، لا تبدو الصورة قابلة للاختزال في مواجهة ثلاثية فقط، لأن تعدد اللوائح والأسماء قد يجعل كل صوت مؤثرا في الحساب النهائي، خصوصا أن الدائرة لا تمنح سوى أربعة مقاعد.
وهنا تحديدا تكمن حساسية الأيام الأخيرة: كل مرشح مطالب بتحويل حضوره الحزبي أو التدبيري أو البرلماني إلى تواصل انتخابي ملموس مع الناخبين، وكل حزب مطالب بالحفاظ على رصيده السابق أو تعويض ما فقده أو بناء حضور جديد.
لذلك، فإن أنفا لا تقدم في هذه المرحلة جوابا جاهزا، بقدر ما تطرح مجموعة من الأسئلة: هل يستطيع النواب العائدون الحفاظ على مواقعهم؟ هل يتمكن الوافدون أو المتغيرون في قيادة اللوائح من إعادة تشكيل الخريطة؟ وإلى أي حد ستؤثر الملفات المحلية في اختيارات الناخبين؟ وكيف سيتوزع التصويت بين أسماء راكمت حضورا سابقا وأخرى تراهن على تغيير المعادلة؟
أسئلة كثيرة، وحسابات أكثر، فيما تقترب ساعة الصناديق من دائرة انتخابية اعتادت أن تقدم مفاجآت انتخابية، وتثبت في كل استحقاق أن الاسم المعروف أو الموقع السياسي وحدهما لا يكفيان لقراءة ما ستفرزه صناديق الاقتراع.
وفي انتظار 23 شتنبر، تبقى أنفا واحدة من أكثر الدوائر التي تستحق المتابعة الدقيقة، ليس فقط بسبب ثقل الأسماء الموجودة فيها، وإنما لأن كل حزب وكل مرشح يدخل الأمتار الأخيرة وهو يدرك أن هامش الخطأ ضيق، وأن المعركة الحقيقية ستحسم بالأصوات التي ستخرج من صناديق الاقتراع.



