كتاب السفيرفي الواجهة

عيد الوحدة.. حديث في الذكـــرى

عيد الوحدة.. حديث في الذكـــرى

السفير 24 – بقلم: عزيز لعويسي

يحتفي الشعب المغربي قاطبة بالذكرى الأولى لعيد الوحدة، بكل ما يحمله من مشاعر الاعتزاز بالوطن والالتحام بوحدة الأرض وسيادة التراب، والتمسك بثوابت الأمة الجامعة، وفي هذا الإطار، وقبل سنة من الآن، أصدر الملك محمد الســــادس، قرارا يقضي بجعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة، عيدا وطنيا، ومناسبة يتفضل فيها جلالته بإصدار عفوه السامي، في سياق ” التحول التاريخي الذي عرفه مسار قضيتنا الوطنية، واستحضارا للتطورات الحاسمة التي حملها القرار رقم 2797/2025 لمجلس الأمن”، الذي انتصر لعدالة قضية الوحدة الترابية، وكرس السيادة المغربية على الصحراء، كمرجعية قانونية وسياسية أممية، حشرت خصوم وأعداء الوحدة الترابية في الزاوية الضيقة، وقطعت بشكل لا رجعة فيه، مع ما حملوه طيلة نصف قرن من الزمن، من أوهام وأحلام وأطروحات متجاوزة؛

ترسيم يوم 31 أكتوبر كعيد وطني، أكد بالملموس، أن القرار الأممي المذكور، شكل “مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب المعاصر. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده.” كما ورد في الخطاب الملكي الموجه إلى الأمة بذات المناسبة، ورغم قوة ومتانة هدا الفتح الدبلوماسي المبين، الذي تزامن وقتها، مع الذكــرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، ظلت الدبلوماسية المغربية المتبصرة تحت القيادة المتبصرة للملك محمد السادس، مستمرة في نهج دبلوماسية التحصين، بحشد المزيد من المواقف الداعمة لمغربية الصحراء و لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية، ومواصلة التنسيق والتعاون مع الأشقاء والأصدقاء والحلفاء الموثوقين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة القلم، بما يساعد على تنزيل المبادرة المغربية على أرض الواقع، ويدفع بالتالي، في اتجاه الطي النهائي للملف، كما ظلت، محافظة على أقصى درجات اليقظة، لكبح جماح تحركات نظام الشر، الذي لازال مصرا على احتضان الوهم والسراب، وإنجاب الدسائس القدرة والمناورات الوضيعة ضد المغرب وسيادته ومصالحه، رغم بلوغه ســـن اليأس.

عيد الوحدة في ذكراه الأولى، تزامن مع جلسة مجلس الأمن الدولي بخصوص قضية الصحراء المغربية، وكان المغرب يتطلع إلى قرار دولي متوافق عليه، في ضوء مسودة القرار الأمريكي، يدعم القرار السابق ويزكيه، ويدفع في اتجاه الحل النهائي انسجاما مع الشرعية الدولية، لكن “الفيتو الروسي” أسقط المشروع الأمريكي، وبعثر الأوراق الدبلوماسية، وازداد الوضع تعقيدا وإبهاما، بعد أن تقدمت روسيا على غير العادة بمشروع قــرار، ووجه بفيتو أمريكي مــضاد، تعذر معه، الوصول إلى قرار توافقي حول مستقبل الملف، خصوصا فيما يتعلق بمصير “بعثة المينورسو”، التي انتهت صلاحياتها بحكم الواقع، في غياب أي قرار أممي يقضي بتمديد مهمتها، وباتت اليوم، مطالبة بمغادرة الصحراء المغربية، بعد 35 سنة من الحضور الميداني، كان تدويل النزاع المفتعل، عنوانها البارز والعريض، بكل ما حمله ذلك، من إجهاد مغربي دبلوماسي واقتصادي واجتماعي وتنموي وأمني.

الفيتو الروسي والفيتو الأمريكي المضاد، أدخل المغاربة في حالة من التوتر والقلق والتوجـــس، وطرح تساؤلات كثيرة حول موقف روسيا “غير المتوقع” بخصوص قضية الوحدة الترابية للمملكــــة، وبسط على الطاولة، استفسارات مشروعة، بخصوص حقيقة ما جــــرى في الكواليس بين الدول الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن، سيما بين الروس والأمريكيين، وبشأن تطــورات ملف هذا النزاع المفتعل ومصير بعثة “المينورسو” في ظل هذا “البلوكاج الدبلوماسي الدولي” غير المسبوق، وبين هذا وذاك، مــــــدى خدمة ما حدث، للمصالح السيادية المغربية، ومدى إسقاطه لمؤامرات ودسائس خصوم وأعداء الوحدة الترابية للمملكة، وقبل هذا وذاك، مــــدى يقظة الدبلوماسية المغربية وجاهزيتها واستعدادها. وفي هذا الإطار، وفي غياب المعلومة الدقيقة، اتسعت دائــرة القراءات والتخمينات والتنبؤات في أوساط المحللين السياسيين والإعلاميين والمهتمين، وسط أجواء مغربية، بات يطبعها القلق والتوجس والحذر.

وإزالة لكل لبس، وعلى غرار ما حدث السنة الماضية، بلاغ صادر عن الديوان الملكي دقائق معدودات بعد جلسة مجلس الأمن، كان في مستوى لحظة عيد الوحدة السعيد الذي بات جامعا للمغاربة وحاضنا لتامغرابيت بكل روافدها وامتداداتها، أكد أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة “لم يقم خلال اجتماعه المنعقد اليوم 30 أكتوبر 2026، بتمديد مهمة بعثة المينورسو، وهو ما يشكل تطورا هاما، وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة”، وهذا التطور البــارز، يتزامن حسب البلاغ، مع تخليد “عيد الوحدة”، الذي أقره الملك محمد السادس، نصره الله، لتجسيد القطيعة في التعاطي مع هذا الملف، و”الانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات”.

وقد أوضح بلاغ الديوان الملكي أن “عدم تمديد مهمة “المينورسو” يعني بوضوح أن تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة”، وفي هذا الصدد أكد البلاغ، أن الأمر يتعلق بصفحة دامت 35 سنة، تم طيها من الآن فصاعدا. فهذه البعثة، الموروثة عن سياق عفا عليه الزمن، شكلت لفترة طويلة، يضيف البلاغ “أداة لتدويل النزاع الإقليمي المتعلق بالاسترجاع المشروع للمملكة المغربية لأقاليمها الصحراوية”، وفي ضوء هذه المستجدات، يتعين وضع حد، لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله. وبناء عليه، لن يبقى، يضيف بلاغ الديوان الملكي، ” أي مبرر لانعقاد الاجتماعات النظامية الدورية للمجلس المخصصة للصحراء المغربية، ولا لتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا لإحاطات مبعوثه الشخصي”، ما يدعو إلى، بعد توقف المسار السياسي، الناتج عن مماطلة الأطراف الأخرى، وإصرارها على خلق حالة من الجمود وإدامة الوضع الراهن. إلى “اتخاذ خطوات مماثلة في القريب العاجل داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة”.

ماورد في بلاغ الديوان الملكي من معطيات، يعكس ليس فقط، يقظة الدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس، وشطارتها في تدبيــر الأزمة، بما يدعم الحقوق السيادية ويخدم المصالح العليا والاستراتيجية للمملكة، بل ويعكس الدلالات العميقة لعيد الوحدة، الذي بات اليوم، محطة نضالية وضاءة، مجسدة للقطيعة في التعاطي مع هذا الملف، و”الانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات”، وفي هذا الإطار، واستثمارا لما حدث من مستجدات، ستدفع الدبلوماسية المغربية، في اتجاه “وضع حد، لإحالة الملف على مجلس الأمن”، و”سحب القضية من جدول أعماله”، حيث لم يعد ” أي مبرر لانعقاد الاجتماعات النظامية الدورية للمجلس المخصصة للصحراء المغربية، ولا لتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا لإحاطات مبعوثه الشخصي”، في ضوء ما ورد في نص بــلاغ الديوان الملكي، مع اتخاذ ما تقتضيه الظرفية، من الخطوات في القريب العاجل، داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة، وبالموازاة مع ذلك، تنتظر المغرب، بعد مغادرة البعثة الأممية، تحركات ميدانية، دافعة في اتجاه بسط السيطرة على المناطق العازلة، في إطار مقاربة مسؤولة وحازمة، تجمــع بين “التمسك بقوة، بوقف إطلاق النار”، و”الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه، وأمنه الوطني، وطمأنينة مواطنيه”.

المطلوب اليوم، تقييم ما حدث خلال جلسة مجلس الأمن ليوم 30 أكتوبر 2026، والاستثمار الأمثل للفرصة التي خرجت من رحم “الفيتو الروسي”، بما يخدم الوحدة الترابية للمملكة ويحصنها، في ضـوء انتهاء حقبة “المينورسو”، وما يفرضه هذا الوضع الجديد من خطوات وتحركات دبلوماسية وميدانية، مـــع ضرورة الاشتغال على تدعيم الجبهة الداخلية، بتعزيز الثقة في الدولة والمؤسسات، ومحاربة الفساد بكل تعبيراته وتمظهراته، وخدمة استقلالية القضاء، وإحداث انفراج حقوقي، وتنزيل جيل جديد من المخططات والبرامج التنموية، دافعة في اتجاه النهوض بواقع التنمية البشرية والاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتدعيم مرتكزات الدولة الاجتماعيــة، من منطلق، أن قوة الجبهة الداخلية ومتانتها، هي حصن حصين للوطن، وقوة حقيقية داعمة للدبلوماسية المغربية، في معركة تحصين الوحدة الترابية للمملكـــــة، وقبل هذا وذاك، الاستمرار في تنمية القدرات العسكرية، استثمارات للعلاقات والشراكات الاستراتيجية مع الحلفاء الموثوقين، والدفع في اتجاه كسب رهانات السيادة الغذائية والطاقية والمائية، وتطوير المنظومة التعليمية والارتقاء بمستوى الصحة العمومية وإنعـــاش الشغل، ومواصلة معركة البناء والتشييد في مجال السدود والبنيات التحتية والأوراش الكبرى، مع إعطاء دينامية جديدة للنموذج التنموي بالأقاليم الجنوبيـــة، لتكون واجهة إفريقية ودولية للتنمية والأمن والاستقرار والرخـــاء والازدهـار، وفي المجمل، فالمغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، مهما ناور المناورون وحقد الحاقدون وكره الكارهون وابتز المبتــزون…

وجب التذكير في خاتمة المقال، أن المغرب ظل على امتداد قرون من الزمن، محط أطماع وتحرش وابتزاز من قبل القـــــــوى الأوربية الاستعمارية، وخضعت ثغــــوره للاحتلال، في لحظات الضعف والتفرقة والتشرذم والأنانيـــــة، كما حدث قبل قـــــرون، مع مدينتي سبتة ومليلية والجزر المحتلة، وكما وقـــع مع التكالب الإمبريالي خلال القرن 19 ومطلع القرن 20م، الذي عجل بوقوع الدولة تحت قبضة استعمار، كان من نتائجه المدمرة، اقتطاع الصحراء الشرقية، وكما حصل قبل خمسة عقود من الزمن، مع افتعال ملف النزاع حول الصحراء المغربيـــة، في مؤامرة وضيعة، نسج خيوطها نظام الشر بالجزائر، بمعية من تقاسم معه، كأس العداء للمغرب ووحدته الترابية، واستثمرتها القـــوى الدولية بذكـــــاء لابتزاز المغرب بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ويعطل طموح المملكة في البناء والنماء والصعود.

وفي هذا الإطار، فالمغاربة بكل أطيافهم وانتماءاتهم، لا بد أن يكونوا على بينة بكل ما يحاك ضد الوطن، من ممارسات الابتزاز والاستفزاز في ملف الصحراء المغربية، وعلى وعي وإدراك، بحجم التحديات الترابية المطروحة أمام المملكـــــــة، أخذا بعين الاعتبار ملف سبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة، وملف الصحراء الشرقية، التي جسدت وتجسد واحدة من الجرائم التاريخية والجغرافية والاجتماعية والإنسانية البشعة، التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حـــق المغرب. وهذا الواقـــــــــــع المأسوف عليه، يستدعي اليوم، طرح نعرات التشرذم والتفرقة، وتجاوز المصالح والحسابات السياسوية الضيقة، والالتفاف حول قائد الأمة وموحدها ومهندس بنائها وتنميتها، الملك محمد السادس حفظه الله ونصــره، والتمسك بثوابت الأمة الجامعة، واستحضار، ما عاناه الآباء والأجداد من محن ومتاعب ومشاق عبر قـــــرون، ليبقى الوطن حرا وآمنا ومستقلا. فمعركة اليوم عموما، ليست فقط، معركة وحدة وسيادة، هي علاوة على ذلك، معركـــة كرامة وتحرر وصعود.. معركة ضد الاستفزاز والابتزاز والتكالب.. معركة مملكة عريقة، لابد أن تسترجـــــع المجد والهمة والعــزة …

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى