
السفير 24 – بقلم: حسن راقي
لم يكن المغاربة ينتظرون مع اقتراب عيد الأضحى سوى شيء واحد: أن يعيشوا فرحة العيد بكرامة، وأن يتمكن الأب البسيط والعامل اليومي والموظف محدود الدخل من اقتناء أضحية دون أن يضطر إلى الاستدانة أو بيع ما تبقى من ضروريات البيت. لكن الواقع هذه السنة كان قاسيا وصادما، بعدما تحولت أسواق الأغنام إلى فضاءات للاحتقان والغضب، في ظل أسعار ملتهبة تجاوزت القدرة الشرائية لآلاف الأسر المغربية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تتحدث عن إجراءات لدعم استيراد الأغنام وتخفيف الضغط على السوق، وجد المواطن نفسه أمام أثمنة خيالية لا علاقة لها بالوعود والتطمينات الرسمية. وبين لغة الأرقام والخطابات المعلبة، كانت الحقيقة واضحة داخل الأسواق الأسبوعية: “الحولي ولى حلم عند بزاف ديال الدراوش”، و”الفقير ما بقى عارف واش يفرّح وليداتو ولا يخلّص الكرا والضو والما”.
الأخطر من الأزمة نفسها، هو الطريقة التي تم بها التعامل معها سياسيا وتواصليا.
فتصريحات وزير الفلاحة حول إمكانية اقتناء أضحية بأثمنة منخفضة أثارت موجة واسعة من السخرية والاستياء، لأن المغاربة لم يعثروا على الحولي ديال 1000 درهم إلا في التصريحات الرسمية، بينما كانت الأسواق تشتعل بشكل يومي، وسط غياب أي رقابة حقيقية على المضاربة والوسطاء.
لقد شعر المواطن البسيط أن هناك فجوة كبيرة بين المسؤول الذي يتحدث من داخل المكاتب المكيفة، وبين رب الأسرة الذي يجوب الأسواق لساعات وهو يحاول البحث عن “حولي” يناسب دخله المحدود. والنتيجة أن عيد الأضحى، الذي ظل دائما مناسبة للفرح والتضامن والتكافل، تحول عند كثير من الأسر إلى مصدر للضغط النفسي والحزن والإحساس بالعجز.
كيف يمكن الحديث عن نجاح السياسات الفلاحية، بينما أسعار الأضاحي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة رغم الدعم العمومي المخصص للاستيراد؟ وأين ذهبت الملايير التي قيل إنها صرفت لدعم القطيع وتخفيف الأسعار؟ ولماذا لم ينعكس كل ذلك على جيب المواطن؟ أسئلة يرددها المغاربة اليوم بمرارة، في ظل شعور متزايد بأن المواطن البسيط هو دائما الحلقة الأضعف في معادلة الغلاء.
إن الدفاع عن الفقراء والدراويش اليوم ليس مزايدة سياسية، بل موقف أخلاقي وإنساني قبل كل شيء. لأن الأسرة المغربية البسيطة لم تعد تطلب الرفاهية، بل فقط الحق في العيش بكرامة، والقدرة على الحفاظ على أبسط الطقوس الاجتماعية والدينية دون إذلال أو استنزاف.
المغاربة لا يريدون خطابات تبريرية بقدر ما يريدون قرارات حقيقية تعيد التوازن للأسواق وتحارب الاحتكار والمضاربة، وتربط المسؤولية بالمحاسبة. فحين يصبح العيد عبئا ثقيلا على الأسر، وحين يشعر المواطن بأن صوته ومعاناته لا يصلان، فإن الأمر لا يتعلق فقط بغلاء الأسعار، بل بأزمة ثقة حقيقية تحتاج إلى شجاعة سياسية ومعالجات واقعية.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى حكومة تنصت لنبض الشارع، وتدرك أن “الدرويش المغربي” لم يعد يحتمل المزيد من الضغوط، وأن الكرامة الاجتماعية لا تقل أهمية عن المؤشرات والأرقام والتصريحات الرسمية.



