
السفير 24 – بقلم: اسماعيل الحلوتي
قلة من الخبراء العسكريين الدوليين والعارفين بخبايا الأمور الجيوسياسية عبر العالم، هم من كانوا على بينة من أن المفاوضات بين واشنطن وطهران في جنيف، لن تلبث أن تصل إلى الباب المسدود في وقت جد وجيز بالنظر إلى ما رافقها من ضغوطات وسط أجواء مشوبة بالترقب. إذ سرعان ما توقف كل شيء، وتم الإعلان صباح يوم السبت 28 فبراير 2026 عن هجوم مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران.
فقد بدا واضحا منذ الساعات الأولى من العدوان على إيران، أن هناك نية واضحة ليس فقط للحيلولة دون حصول إيران على السلاح النووي، بل لتدمير جميع منشآتها النووية والبحرية، والتحريض على تغيير النظام، وإيقاف دعمها المتواصل لأذرعها من الجماعات والمليشيات المسلحة في المنطقة وخارجها، ثم حماية الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، لاسيما أن الغارات توالت بقوة على أنظمة الدفاع الصاروخي، مستهدفة مئات الأهداف منها مواقع التحكم والسيطرة للحرس الثوري الإيراني، والدفاعات الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ ومقرات قادة بارزين، باستخدام ذخائر دقيقة من الأرض والبحر والجو، مما أدى إلى اغتيال عدد كبير منهم وفي مقدمتهم المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد باكبور، وزير الدفاع عزيز نصر زادة ومستشار شؤون الأمن لدى المرشد الأعلى علي شمغاني…
بيد أن إيران لم تقف مشلولة أمام هذا العدوان الثنائي، حيث سارعت إلى الرد بكل ما تملك من قوة، ولم تستهدف إسرائيل وحدها، وإنما قامت كذلك بتوجيه صواريخ بالستية نحو مواقع أمريكية في المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وقطر والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة وعمان وحتى المملكة الأردنية الهاشمية، التي أدانت جميعها بشدة هذه الهجمات العشوائية التي دكت أراضيها بالصواريخ والطائرات المسيرة، معتبرة أن الضربات الإيرانية غير المبررة على أراض ذات سيادة، أضرت كثيرا بالمدنيين الأبرياء وممتلكاتهم، كما ألحقت أضرارا بليغة بالبنية التحتية…
فما كان من هذه الدول إلا أن أصدرت بيانا شديد اللهجة تعرب من خلاله عن استنكارها الشديد لهذا الهجوم الأخرق على أراضيها، جاء فيه بأن التصرفات الإيرانية تمثل تصعيدا خطيرا، ينتهك سيادتها ويهدد الاستقرار الإقليمي. وأن استهداف المدنيين في الدول غير المنخرطة في الأعمال العدائية سلوك متهور ويزعزع الاستقرار، وأنها تقف صفا واحدا دفاعا عن مواطنيها وسيادتها وأراضيها، وتؤكد حقها في الدفاع عن النفس في وجه الهجمات الطائشة، وتشيد بالتعاون الفعال في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، الذي تصدى للكثير من الضربان وحال دون وقوع خسائر أكبر في الأرواح…
وخلافا لقيام وزير خارجية إيران عباس عراقجي بإبلاغ نظرائه في بلدان الخليج، باستمرار بلاده في استخدام جميع قدراتها الدفاعية والعسكرية، دفاعا عن حقها المشروع في حماية أراضيها ومواطنيها، فقد عبرت عدة دول عربية عن تضامنها المطلق مع البلدان المتضررة وأعربت عن قلقها البالغ حيال التصعيد الخطير، الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، مستنكرة استهداف إيران لوحدة وسلامة أراضيها وانتهاك سيادتها، ومشددة على أن الاعتداء الإيراني من شأنه أن يؤدي إلى انزلاق المنطقة بكاملها إلى فوضى شاملة، فضلا عما يمكن أن يخلفه من تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والدولي، حيث أن هذه الحرب لن تفضي عدا إلى مزيد من العنف وإراقة الدماء، فيما السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار يكمن فقط في الالتزام بخيار العمل الدبلوماسي الرصين والحوار الجاد…
وفي سياق تفاعل عديد الشخصيات السياسية والدينية والفكرية مع الأحداث الجارية في الشرق الأوسط، ووسط انقسام بارز في المواقف بخصوص حدود الدعم السياسي والإنساني للأطراف المعنية، جاءت تصريحات الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني الرئيس السابق والعضو المؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، التي أثارت حفيظة الكثير من المغاربة، حيث أعلن في منشور عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” عن موقفه الداعم لإيران، مبررا انحيازه بكونه يندرج ضمن موقف مبدئي حول الأخوة الإسلامية ونصرة المظلومين، إذ قال: “أنا مع إيران لأنهم مسلمون ومظلومون” وأضاف “أنا ضد المعتدين المجرمين وضد أعوانهم وأعوان أعوانهم، وأيا ما كان المظلوم، فنحن ندعو له ولمن يقف معه، وأيا كان الظالم، فإننا ندعو عليه وعلى من يناصره”
فكانت هذه التصريحات كافية لتجر عليه جحيما من الانتقادات اللاذعة على منصات التواصل الاجتماعي، لاسيما أن النظام الإيراني أمطر سماء الدول الخليجية بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة، رغم عدم مشاركتها في الحرب الدائرة رحاها، كما أنها لم تسمح باستعمال مجالها الجوي لذلك. وأنه هو نفسه الذي سبق له التحالف مع النظام العسكري الجزائري ضد المغرب، سعيا إلى محاولة تفتيت وحدته الترابية من خلال النزاع المفتعل في الصحراء. هل نسي سماحته أن مندوب إيران في الأمم المتحدة سبق له أن وصف المغرب بالبلد المحتل، وأن بلاده تقوم بتزويد جبهة البوليساريو بالأسلحة وتدريب مرتزقتها على استخدامها؟
ولنا أن نتساءل هنا عن دواعي التزام الريسوني الصمت عند قصف مرتزقة البوليساريو لمدن جنوبية في عدة مناسبات وطنية بواسطة أسلحة إيرانية، وعدم تجشيم نفسه عناء إدانة هكذا هجمات عدوانية على بلاده؟ فإيران لا تقل همجية وإرهابا عن أمريكا وإسرائيل، إذ تكاد لا تتوقف عن تصدير الثورة لدول المنطقة سلميا وعسكريا، وزرع أذرعها الإرهابية من الميليشيات والجماعات الانفصالية المسلحة في مختلف أنحاء العالم، ناهيكم عما يفعل النظام بشعبه من تقتيل وقمع وغيره…



