
السفير 24 – باريس: جمال اشبابي
في “الجزائر القارة”، تلك المساحة الشاسعة التي يبدو أن حدودها تنتهي حيث يبدأ طابور الحليب، قررت العبقرية التدبيرية في “المرادية” تحدي قوانين الفيزياء والاقتصاد معا؛ فبينما تنشغل الماكينة الإعلامية الرسمية بمراقبة “ثقوب الحزام” لدى الجار الغربي بمجهر “المكر”، وتصوير المغرب كمملكة تقتات على الأوهام، سقطت من ردهات مستشفى “مريم بوعتورة” بباتنة وثيقة “تاريخية” تصلح للفوز بجائزة كينز في الإفلاس الإرادي. الوثيقة، المكتوبة بمداد الفخر النقابي، لا تعلن عن ثورة طبية أو زيادة في الأجور التي تآكلت بفعل تضخم ينهش 9.3% من القوة الشرائية، بل تعلن عن “غزوة رمضان” الكبرى: “طومبولا” للفوز بكيلوغرام واحد من اللحم! نعم، في بلد يسبح فوق ثالث أكبر احتياطي نقدي في إفريقيا، تتحول كرامة الموظف إلى ورقة يانصيب، حيث تتقرر هوية “سعيد الحظ” الذي سيتذوق البروتين عبر سحب عشوائي يليق بكازينوهات الدرجة الثالثة لا بمؤسسات “قوة إقليمية”.
فبينما يتباكى التلفزيون العمومي الجزائري على “بؤس” المغاربة، نكتشف أن الجار “المُحاصر بالفقر” (حسب الرواية الرسمية) يحرك قاطرة دعم غذائي تصل لـ 4.3 مليون مستفيد، في حين يضطر “المجاهدون الإداريون” في باتنة لجمع تبرعات شخصية من جيوبهم المثقوبة لشراء 10 كيلوغرامات من اللحم لآلاف العمال. إنها “الديمقراطية الغذائية” في أبهى تجلياتها: الجميع يساهم، وعشرة فقط يأكلون، والبقية يكتفون بمضغ الشعارات السيادية. ولعل المثير للضحك المبكي هو أن سعر الكيلوغرام الواحد الذي تجاوز 2500 دينار بات يلتهم ثُمن الراتب الأدنى (20,000 دينار)، مما يعني أن المواطن يحتاج إلى معجزة رياضية أو “حظ نفاث” ليجمع بين دفع الإيجار وتناول شريحة “ستيك” لا تخضع لقانون الاحتمالات.
هذا “السهل الممتنع” في السياسة الجزائرية يعتمد على معادلة عبقرية: إطعام الشعب “فائض الكلام” وتجويعه من “فائض اللحوم”. فبينما تصنف طوابير الزيت والحليب كمعالم سياحية في “الدولة القارة”، تصر السلطة على أن العدو الحقيقي هو “الجوع” الكامن وراء الحدود، متناسية أن المعدة لا تقرأ البيانات الرسمية. ففي باتنة، الطريق إلى “العجل” لا يمر عبر العمل الجاد أو الراتب المحترم، بل عبر صندوق خبي من الخشب، يلقى فيه بمصير الموظف المهني ليخرج، أو لا يخرج، كفائز بـ “البروتين الوطني”. إنه اقتصاد “الزهر” الذي جعل من “القوة الضاربة” مجرد نكتة سمجة، حيث الغاز تحت الأرض مضمون للأباطرة، واللحم فوق المائدة يخضع لسحب “اليانصيب” تحت إشراف النقابة الموقرة.
كشفت وثيقة باتنة ما تعجز عنه آلاف الساعات من البث الرسمي؛ فالفارق بين “مملكة الجوع” المفترضة وإمبراطورية “القوة الضاربة” الحقيقية، هو أن الأولى تزرع الخضروات لتصدرها، والثانية تزرع الأوهام وتوزع اللحم بالقرعة. ويبدو أن النظام يطبق بحذافيرها حكمة “جوع مواطنك يتبعك”، لكنه غفل عن حقيقة فيزيائية بسيطة: أن الجوع الممزوج بالاستهزاء بكرامة الناس عبر “طومبولا اللحم” قد يؤدي في النهاية إلى انفجار لا تنفع معه مسكنات “الغاز” ولا تبريرات “المؤامرة الخارجية”. ففي الجزائر الجديدة، يمكنك أن تكون بطلا قوميا في البيانات، لكنك تظل مجرد “رقم حظ” خاسر في طابور البروتين الرمضاني.



