
السفير 24
انتهت كأس أمم إفريقيا في نسختها الخامسة والثلاثين بالمغرب، لكنها لم تُغلق نقاشها في الوعي الجماعي. فقد خرج المغاربة من البطولة وهم يجمعون بين فخر عارم بنجاح تنظيمي غير مسبوق، وإحساس مرير بالغبن بعد ضياع اللقب في ظروف شابتها اختلالات وسلوكات بعيدة عن روح المنافسة. وبين الشعورين، تشكّل وعي هادئ يرفض الانجرار وراء الانفعال، ويختار قراءة ما جرى بعين الدولة لا بعاطفة الجمهور.
رياضياً، يمكن القول إن المغرب كان بطل هذه النسخة دون تتويج. مسار المنتخب، منذ الافتتاح إلى النهائي، جسّد كرة قدم حديثة، منضبطة، قائمة على الروح الجماعية والالتزام الأخلاقي. وهو ما عبّرت عنه الرسالة الملكية الموجهة إلى “أسود الأطلس”، باعتبار ما تحقق نموذجاً لما يمكن أن ينجزه الشباب المغربي والإفريقي حين تتوفر الثقة والعمل الجاد.
أما تنظيمياً، فقد قدّم المغرب دورة تُدرّس: ملاعب بمعايير عالمية، بنية تحتية متكاملة، أمن محكم، وخدمات لوجستية جعلت “الكان” تقترب في تفاصيلها من كبرى البطولات العالمية. التقارير القارية والدولية أجمعـت على أن هذه النسخة كانت الأكثر نجاحاً تجارياً وإعلامياً في تاريخ المسابقة، مع قفزة غير مسبوقة في مداخيل البث والشراكات، واتساع دائرة المشاهدة عبر القارات.
هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سياسة عمومية استثمرت في الإنسان والبنية والأمن، ورسّخت صورة المغرب كبلد مستقر، قادر على احتضان التظاهرات الكبرى. وهو ما جعل بعض الأصوات الحاقدة تعجز عن التشويش، بل تحولت انتقاداتها إلى شهادة إضافية على حجم ما تحقق.
ورغم كل ذلك، لم تُفسد أحداث النهائي المشهد العام. محاولات الفوضى وجرّ البطولة إلى مربع الفشل سقطت أمام احترافية الأجهزة الأمنية، التي حافظت على هيبة الحدث، وتركت للقانون ولجان الانضباط قول الكلمة الفصل. واختارت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في المقابل، سلوك الطريق المؤسساتي دفاعاً عن الحقوق، بعيداً عن الضجيج.
الرسالة الأهم جاءت من أعلى سلطة في البلاد. فبحنكة القائد وهدوء الأب، امتص جلالة الملك مشاعر الغضب، وحوّل الإحباط إلى طاقة إيجابية، مؤكداً أن ما تحقق هو نجاح وطني شامل، وأن مكانة المغرب الكروية العالمية ثمرة رؤية بعيدة المدى، لا تتوقف عند لقب.
وبينما لم يجف بعد حبر نجاح “الكان”، كان المغرب يوقّع حضوراً وازناً على الساحة الدولية، بانضمامه كعضو مؤسس إلى مجلس السلام، في خطوة تعكس الثقة الدولية في دوره، ومكانة جلالة الملك كرئيس للجنة القدس. انخراطٌ لم يكن سياسياً مجرداً، بل استمراراً لخط مغربي ثابت يُقدّم البعد الإنساني، ويدافع عن حق الفلسطينيين في دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ويسعى إلى وقف الحرب، إدخال المساعدات، وإعادة إعمار غزة.
كالعادة، لم يَسلم هذا الموقف من حملات التشكيك من “تجار المآسي”، الذين لا يقدّمون بديلاً ولا مشروعاً، ويستثمرون في الألم بدل البحث عن حلول. غير أن التجربة أثبتت أن المغرب، حين يختار، يفعل ذلك بمنطق الدولة لا بمنطق الشعارات، وبمقاربة تراكمية تؤمن بالنتائج لا بالضجيج.
ما بين كأس إفريقيا ومجلس السلام، تتضح صورة مغربٍ قادر على الجمع بين قوة التنظيم، ونضج الموقف، وصلابة المبادئ. مغربٌ يدرك أن النجاح مسؤولية مستمرة، وأن الحفاظ على المكانة أصعب من بلوغها، لكنه يملك الإرادة والموارد والقيادة التي تجعل من كل تحدٍّ فرصة جديدة لانتصار آخر… من صنع المغاربة.



