في الواجهةدولية

صمت الجنرالات في الجزائر يفتح باب التأويل حول توازنات السلطة وغياب شنقريحة

صمت الجنرالات في الجزائر يفتح باب التأويل حول توازنات السلطة وغياب شنقريحة

le patrice

السفير 24

يتحول الصمت الصادر عن دوائر القرار العسكري في الجزائر خلال الأسابيع الأخيرة إلى رسالة سياسية قائمة بذاتها، في ظل الغياب اللافت لرئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق سعيد شنقريحة، عن عدد من الأنشطة والمواعيد الرسمية. هذا الغياب، الذي كسر نمطًا بروتوكوليًا ظل ثابتًا لسنوات، سرعان ما أثار موجة واسعة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية والأمنية، في نظام يقوم توازنه على علاقة دقيقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية.

وبينما يواصل الرئيس عبد المجيد تبون إدارة السلطة التنفيذية، يرى مراقبون أن فاعلية حكمه ظلت منذ البداية مرتبطة بالدعم الذي توفره المؤسسة العسكرية، ما يجعل أي تغيير في حضورها العلني أو تموضعها السياسي محل قراءة دقيقة. وفي هذا السياق، تتحدث مصادر قريبة من مراكز القرار عن احتمال وجود تباينات في الرؤية بين الرئاسة وبعض الدوائر النافذة داخل القيادة العسكرية، معتبرة أن الغياب المؤقت لشنقريحة قد يعكس مرحلة إعادة ترتيب داخلية أو اختلافًا في تقدير طبيعة المرحلة المقبلة.

في المقابل، يذهب تحليل آخر إلى اعتبار هذا الغياب انسحابًا تكتيكيًا محسوبًا، يهدف إلى تقليص الظهور السياسي المباشر للمؤسسة العسكرية، خاصة في ظرف اجتماعي داخلي يتسم بالهشاشة والتوتر، وفي سياق دولي حساس يتسم بتشدد متزايد تجاه الأنظمة ذات الطابع السلطوي. ووفق هذا الطرح، فإن تقليص الحضور العسكري العلني قد يكون محاولة لتفادي كلفة سياسية إضافية.

المعطيات الميدانية تضيف وزنًا لهذه القراءات، إذ غاب شنقريحة عن احتفالات وطنية واجتماعات أمنية موسعة كان حضوره فيها شبه دائم خلال السنوات الماضية، وهو ما فتح المجال أمام تفسيرات متباينة داخل الجزائر وخارجها. دبلوماسيون وفاعلون سياسيون يتعاملون مع هذا الغياب كإشارة لا يمكن إغفالها، في نظام تتحول فيه حتى الإشارات الرمزية إلى دلالات سياسية.

داخل الأوساط الاستخباراتية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ فبين من يعتبر الأمر جزءًا من إعادة ترتيب تقليدية داخل منظومة الحكم، لا تستبعد أصوات أخرى وجود توترات أعمق قد تتجاوز الخلاف الظرفي، وربما تنعكس على مسار السلطة في المدى القريب.

وسط هذا الغموض، يظل الصمت هو العنوان الأبرز، في غياب أي توضيحات رسمية، ما يكرّس فرضية راسخة في الثقافة السياسية الجزائرية مفادها أن الصمت العسكري غالبًا ما يكون أكثر بلاغة من التصريحات المعلنة. وتذهب بعض التحليلات إلى أن هذا الغياب قد يكون مقصودًا لتخفيف حدة النفوذ العسكري في المشهد المدني، في ظل مزاج اجتماعي متحفظ تجاه أي مؤشرات على تغوّل المؤسسة العسكرية.

في سياق متصل، تشير مصادر سياسية وأمنية إلى أن الحالة الصحية لرئيس الأركان تلعب دورًا في تعقيد المشهد، حيث يُتداول داخليًا أن شنقريحة يمر بمرحلة صحية صعبة أثّرت على وتيرة حضوره الميداني والسياسي. ووفق هذه المعطيات، فإن العامل الصحي أصبح جزءًا من معادلة توازن القوة داخل الدولة، وفتح نقاشًا داخليًا حول مستقبل إدارة الملفات الكبرى.

وتربط هذه القراءات بين الوضع الصحي لشنقريحة وبين نقاش أوسع داخل هرم السلطة حول جدوى الاستمرار في نهج التصعيد السياسي وتوتير العلاقات الإقليمية، خاصة تجاه المغرب وفرنسا وملفات الساحل الإفريقي. وتقول المصادر إن تيارًا آخذًا في التشكل داخل بعض الدوائر السياسية والعسكرية بات يرى في هذا النهج كلفة استراتيجية واقتصادية لم تعد البلاد قادرة على تحملها.

في المحصلة، لا يبدو المشهد مجرد خلاف أشخاص بقدر ما هو صراع تصورات حول مستقبل الدولة الجزائرية، وحدود حضور الجيش في القرار السياسي، وشكل التموضع الإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية. ومع استمرار الغموض وغياب التوضيح الرسمي، تبقى الإشارات غير المعلنة، السياسية والصحية معًا، مفاتيح أساسية لفهم التحولات المحتملة داخل بنية الحكم في الجزائر.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى