في الواجهةكتاب السفير

بوعلام صنصال… حين تُسقِط كلمة واحدة جدارا من الخوف

بوعلام صنصال… حين تُسقِط كلمة واحدة جدارا من الخوف

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس 

حين وقف بوعلام صنصال أمام الإعلام الفرنسي متحدثا عن تجربته، لم تكن كلماته مجرد رواية شخصية أو شهادة من كاتب مخضرم خرج من محنة عسيرة. كانت، في جوهرها، اختبارا لقدرة النظام الجزائري على احتمال الحقيقة، أو بالأحرى: على احتمال ذكر اسم المغرب خارج القاموس الرسمي الذي يحاصر كل نقاش.
فقد أدلى صنصال بتصريحات تلامس مناطق محرمة في السياسة الجزائرية، لا لأنّها تكشف أسرارا خطيرة، بل لأنها تخترق الهالة النفسية التي بنى النظام بها علاقته بالمغرب منذ عقود. هذه المنطقة الحساسة ليست جغرافية ولا سياسية فحسب، بل تعد جزءا من البنية العميقة لشرعية الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، حيث تحول “الخطر الخارجي” إلى ذريعة تدار بها الأزمات الداخلية وتستنبت بها الولاءات.
ولأن صنصال مثقف ذو حضور دولي، وليس ناشطا يمكن عزله أو تشويه صورته بسهولة، فقد بدا النظام أمام معلة: كيف يمكن إسكات رجل يملك شرعية أدبية عالمية، دون أن يتحول الصمت المفروض عليه إلى فضيحة؟
هنا، يتضح أن السلطات لم تكن تخشى مضمون تصريحات صنصال بقدر ما تخشى قدرتها على تحريك السؤال المحظور: لماذا يعيش النظام الجزائري عقدة مزمنة تجاه المغرب؟
ولماذا تعامل أي قراءة تاريخية مختلفة وكأنها تهديد وجودي؟
في الحقيقة، لا يحتاج الأمر إلى تحليلات معقدة. فالنظام الجزائري يعاني منذ سنوات طويلة من إفلاس في مشروعه السياسي، ومن عجز عن إنتاج سردية جديدة تقنع الشباب، أو تقدم بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية. ولأنه نظام يقتات على “العامل الخارجي”، فقد أصبح المغرب — ببساطة — الخصم المثالي: قريب بما يكفي ليكون هاجسا، وناجح بما يكفي ليكون عقدة.
هنا جاء صنصال، ليس ليكشف أسراراًط، بل ليقول ما يعرفه الجميع: إن جزءا كبيرا من التوتر مع المغرب مصطنع، ومصمم لكي يملأ الفراغ السياسي الداخلي.
وما إن قال ذلك، حتى ارتج الحاجز النفسي الذي يمنع الجزائريين أنفسهم من طرح الأسئلة ذاتها.
إطلاق سراحه، مهما قيل عن خلفياته، لم ينه القضية. بالعكس، لقد كشف هشاشة النظام أمام كلمة، أمام رأي، أمام كاتب.
والأنظمة التي تخشى الكتاب، لا تفعل ذلك لأنها تهاب الكتب، بل لأنها تهاب الحقيقة التي لا تستطيع الأجهزة الأمنية السيطرة عليها.
اليوم، يقف بوعلام صنصال رمزا لمثقف لم يتراجع، ولرجل أدرك أن قوته ليست في سجنه أو خروجه، بل في قدرته على تفكيك الخوف.
أما النظام الجزائري، فبات أمام سؤال أخلاقي وسياسي لا يستطيع الهروب منه:
إلى متى يمكن بناء دولة كاملة على عقدة واحدة؟

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى