مجتمع

باحث مغربي يتوج بشهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا في موضوع “مقاربة الأرهاب بالساحل والصحراء الافريقية وانعكاسه على المغرب”

السفير 24

تمكن الطالب الباحث عبد الواحد أولاد ملود من الحصول على شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا بعد مناقشته لأطروحته التي اختار لها موضوع: “المغرب والتهديدات الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء الإفريقية، دراسة لحالة الإرهاب”.

وشهدت رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة القاضي عياض في مراكش يوم السبت 7 يوليوز 2018 مناقشة أطروحته لنيل الدكتوراه في الحقوق، في إطار مختبر الدراسات الدولية حول تدبير الأزمات.

هذه الأطروحة نوقشت أمام لجنة تشكلت من إدريس لكريني “أستاذ بكلية الحقوق بمراكش كمشرف ورئيس”، وعبد الجبار عراش “أستاذ بكلية الحقوق بسطات”، ومحمد بنطلحة “أستاذ بكلية الحقوق بمراكش”، وعبد اللطيف بكور “أستاذ بالكلية متعددة التخصصات بآسفي”، أعضاء ومقررين، والعربي بلا “أستاذ بكلية الحقوق بمراكش، عضوا”.

وهذا هو تقرير الأطروحة : 

مما لا شك فيه أن المجتمع الدولي  يتأثر بظهور العديد من الفواعل غير الدولتية ساعدتها ثورة المعلومات والاتصالات في صياغة التفاعلات الدولية، إذ ظهرت مواضيع جديدة أرخت بثقلها على صيرورة الأجندة الدولية فلم تعد مواضيع تقليدية كالقوة العسكرية، ميزان القوى، الردع النووي. ذات الأهمية التي اكتسبتها في فترات الحربين العالميتين الأولى والثانية وكذلك في أثناء مرحلة الحرب الباردة، برزت مقابل ذلك قضايا ذات بُعد دولي تجاوزت الحدود التقليدية للدول، أضحت أكثر خطورة حتى على القوى التي تحظى بقوة عسكرية.

 فنجد من هذه القضايا ما أحدثت تحولات على مستوى الأمن من إرهاب وجريمة منظمة ونزاعات إثنية، وهجرة غير نظامية…وحتى على مستوى المتغيرات الاقتصادية والبيئية مما انعكس على التطورات في هياكل علاقة القوى والتنافس الدولي، وكذلك تحول على مستوى العلاقات الدولية، إذ سار النظام الدولي يشهد درجة كبيرة من الروابط بين الأفراد والجماعات في مختلف الدول… الأمر الذي أنتج تهديدات أمنية عابرة للأوطان على كل الفوارق الجغرافية والأيديولوجية والخصوصيات الثقافية والمجتمعية، لا تميز بين دولة غنية أو فقيرة، تختلف تأثيراتها على اختلاف هيكلة وشكل كل دولة على حدة.

فالفعل الإرهابي من بين التهديدات الأمنية التي انعكست على المجتمع الدولي خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 والذي خلف وقعه عبر مناطق المعمور، وهو ما لامسنا تأثيره على مساحات جغرافية في أفغانستان والصومال وغرب إفريقيا وبلاد العراق وسوريا ومنطقة الساحل والصحراء…

فقد تحول الفضاء الجغرافي لدول الساحل والصحراء إلى مرتع خلفي لمختلف التنظيمات الإرهابية والممارسات الإجرامية، وتفشي ظاهرة الهجرة السرية أضفى طابع الفضاءات الأمنية البالغة التعقيدات والأهمية، تتداخل فيها عناصر متنوعة ومتداخلة جعلتها تخضع لإعادة التقويم.

موضوع المغرب والتهديدات الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء دراسة لحالة الإرهاب ليس ذا أهمية راهنية جيوإستراتيجية فقط بل إن التهديدات التي تواجهها المنطقة تبقى مهمة وجوهرية شكلت أبعاد وأساس فهم دواعي التمرد والصراعات الداخلية وفرضية الدول الفاشلة في المنطقة.

فالفكرة الأساسية التي يطرحها الموضوع هي النظر في كيفية فشل الدول في هذا الإقليم، فغياب مفهوم الأمن الشامل ينعكس على المجتمع بمختلف فئاته، بل يدفع الشعوب المنضوية تحت لواء هذه الدول إلى البحث عن تحقيق مطالبها حتى وإن كان ذلك على حساب أمن بلدانها.

فاستقرار المغرب لطالما ارتبط باستقرار بلدان الساحل والصحراء لاسيما أنها ظلت مصدر المشاكل التي تلقي بثقلها على الموازنة الأمنية للمغرب… الأمر الذي يمكن أن يطلق عليه حسب “جوزيف ناي” و “روبرت كوهين” بالاعتماد المترابـــــط المركب Complexe interdépendance أو ما يطلق عليه اليوم بالترابط المركب، بمعنى أن أي تهديد أو أزمة تحدث في بلد معين تكون له تداعيات وخيمة في بلد آخر أو أكثر، وهو ما يسلط الضوء على النظرة المغربية اتجاه هذه التهديدات باعتبار أن هناك إمكانية خلق علاقة تقاطع وتنسيق بشكل متشابك بينهما، ما يصطدم بصعوبة إيجاد حلول مناسبة لمواجهة هذه التهديدات لتظل خطر قائم تسايره كل دولة حسب مقاربتها واختلاف أجندتها…

 كما تتجلى دواعي اختيار هذا الموضوع كونه يتماها مع بداية الرجات الأمنية التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق في دول شمال إفريقيا وانعكست على دول الساحل خاصة، وما واجهته دولة مالي من إعادة بروز انتفاضات الجماعات العرقية ونشاط التنظيمات “الجهادية” وتحالف الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الساحل الإفريقي، الشيء الذي جعل الأوساط الفكرية والأكاديمية وأصحاب القرار يولون اهتمامهم اتجاه المنطقة، فكل واحد تناوله باتجاهاته الفكرية…حيث نسجل أن أكثر الدراسات التي تناولت المجال الأمني للساحل والصحراء ذات طابع غربي إما فرنسي أو إنجليزي أو إسباني… وهو ما جعلنا نتخذ مبادرة بانجاز بحث باللغة العربية بعد اقتراح من الأستاذ المشرف بغية الإسهام في فهم وملامسة طبيعة الأحداث التي تعرفها المنطقة، وقد توخينا الأحادية في التحليل ومزج بين كل الدراسات المهتمة بالمجال لإغناء البحث العلمي وتمكين القارئ باللغة العربية من استيعاب ما يجري في المحيط الجيو استراتيجي للمغرب، وربما قد يساهم هذا البحث في إذكاء الوعي للمواطن المغربي لمعرفة الأخطار التي قد تهدد استقرار بلاده، وبالتالي المساهمة سواء من قريب أو من بعيد في محاربة التهديدات الأمنية المحدقة بالمغرب خاصة على مستوى الفعل الإرهابي.

وارتباطا بمراحل إعداد هذه الدراسة اعترضتنا جملة من الصعوبات نظرا للنقص الحاصل على المستوى الدراسات الأمنية داخل الجامعات المغربية، وكذلك شبه غياب لمراكز الدراسات المهتمة بالمجال. مما يفرز صعوبة الحصول على المعلومة الأمنية حتى من جهات حكومية_استخباراتية تحت ذريعة السرية في المعلومة خاصة على مستوى تقنيات رصد الخلايا “الجهادية” ومحاربة الإرهاب… في الوقت الذي يمكن الحصول على جزء من هذه المعلومات من جهات أخرى خاصة على مستوى التقارير الأجنبية، التي بدورها تنحو منحى تمرير أجندات على حساب الفضاء الجغرافي للمنطقة وهو ما جعلنا نتعامل معها بتمحيص وحذر أكثر.

تتمثل إشكالية هذه الدراسة في العلاقة الجدلية بين تحقيق التنمية وغياب مفهوم الأمن الشامل مما يولد مظاهر الحرمان والعزلة ويؤدي إلى مخاطر وتهديدات تأخذ نمطا تقليديا وغير تقليدي للتعبير عن السخط والتمرد داخل  مجتمع الساحل والصحراء، إضافة إلى أن المساحة الجغرافية للإقليم غير متحكم فيها… والمغرب ليس بمنأى عن هذه المخاطر نظرا لموقعه الجغرافي الذي يشكل صلة وصل بين الجنوب والشمال عبر المتوسط.

من هنا يمكن طرح تساؤل مركزي: ما الأبعاد الجيواستراتيجية للمشهد المضطرب بمنطقة الساحل والصحراء وانعكاسه على المنظومة الإقليمية والدولية؟ وإلى أي حد تؤثر التهديدات التي تشهدها المنطقة على استقرار المغرب؟.

 في محاولة للإجابة عن هذه الإشكالية اعتمدنا الفرضيات التالية كخريطة طريق للوصول إلى تحليل الموضوع:

  • لفهم تنامي التهديدات الأمنية خاصة على مستوى الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء يمكن افتراضيا أن نربطها بمجموعة من التفاعلات بدءا بالإرث الكولونيالي مرورا بتجدر المشاكل الإثيولوجية وصولا لتآكل المنظومة الدولتية للمنطقة.
  • مخلفات التنافس الدولي وعدم إدراك هذه التهديدات من دول الإقليم والتعامل بمنطق المقاربات الانفرادية أدى إلى زيادة مصادر التهديد.
  • بروز مفهوم الدولة الرخوة المهيمن على المنطقة وفشل حل أوضاع الأقليات أدى إلى توفير حاضنة اجتماعية للتنظيمات الإرهابية والإجرامية.
  • فرضية نجاح المغرب في التصدي للتهديدات الإرهابية وارد للوعي المبكر بخطورة الوضع، هذا دون إغفال أن الفعل الإرهابي يظل قائما.

يتجلى الإطار الزمكاني لهذا البحث في دراسة حالة الدول المشكلة للساحل والصحراء في فترة تنامت فيها التهديدات الأمنية وبالخصوص الإرهابية منها خاصة في فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001 هذا دون تجاوز مراحل شهدت فيها المنطقة تأجج الأوضاع.

أما فيما يخص الأدوات البحثية التي تم توظيفها في هذا الموضوع، فقد اعتمدنا على المنهج النسقي لضرورة تحليل مجموعة من الأنساق التي تُنتج مختلف التهديدات الأمنية وعلاقة التأثير والتأثر المرتبطة بالنظام الداخلي والخارجي لهذه الدول،  كما يقتضي الحديث عن علاقة المغرب بما يحدث في منطقة الساحل جنوب الصحراء الاستعانة بالمنهج الوصفي الذي يقوم بوصف الوضع القائم لظاهرة الارهاب من خلال تحديد ظروفها بهدف الانتهاء الى وصف علمي متكامل للظاهرة  و الحصول على نتائج علمية دقيقة.

وبالموازاة مع ذلك يبقى المنهج المقارن لا غنى عنه بغية إبراز مواطن التشابه والاختلاف بين ما تعيشه دول الإقليم وبعض بؤر التوتر الأخرى، وكذلك مقارنة الرؤى المعتمدة للتصدي للمخاطر الأمنية بدول الساحل والصحراء …

كما تم تناول مصطلحات مفاهيمية لكونها المحرك الأساسي لهذا الموضوع على سبيل المثال تعريف التهديدات الأمنية، والإرهاب والجريمة المنظمة … ولاحظنا أن بعض هذه  التعاريف ما زالت شائكة كمسألة الإرهاب الذي يعرفه كل واحد وفق أجندته وإستراتيجيته…

للوقوف عند موضوع المغرب والتهديدات الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء دراسة لحالة الإرهاب ارتأينا التعامل بمنطق التقسيم الثنائي. يعرض القسم الأول: حدود تأثير التهديدات الأمنية لمنطقة الساحل والصحراء على التوازن الأمني للمغرب، الذي قسمناه إلى فصلين:

الفصل الأول رصدنا فيه مجموعة من العوامل التي لها تأثير على المنظومة الأمنية لدول الإقليم بتتبع طبيعة وشكل الدول المشكلة لإقليم الساحل والصحراء وما تشهده من خصوصيات جغرافية ومجتمعية ونزاعات ترابية إقليمية، وكذا تنامي مصادر التهديدات الأمنية الحديثة من جريمة منظمة وأعمال إرهابية والمد الجهادي في المنطقة، وتحالف هذه التهديدات لتفرز أوضاع أكثر خطورة مع بروز وتفريخ التنظيمات الجهادية من تنظيم قاعدة الجهاد فرع المغرب الإسلامي، وإمكانية تفشي الحالة الداعشية بالساحل والصحراء وجماعات أخرى تسير على نهج مثيلتها هناك، خاصة بعد الرجات الأمنية التي عرفتها دول شمال إفريقيا والساحل.

 أما في الفصل الثاني من هذا القسم فتم الوقوف عند تداعيات كل هذه الأوضاع على استقرار المغرب وما شهده من هجمات إرهابية حتى قبل أحداث 16 مايو 2003، كما أننا رصدنا في هذا الفصل تجذًر الخلايا الجهادية في المغرب والجريمة المنظمة والهجرة السرية، ومشكل قضية الحدود والصحراء لما لها من وقع أمني خاص على العقيدة الأمنية للمغرب.

فيما خصصنا القسم الثاني من هذا الموضوع لدور الفاعل الإقليمي والدولي في منطقة الساحل والصحراء والرؤية المغربية لحفظ الاستقرار.

تم تقسيم هذا القسم كذلك إلى فصلين تناولنا في الفصل الأول مدى نجاعة المقاربات الإقليمية والدولية لدرء هذه التهديدات حيث لاحظنا تغليب المصالح على استتباب أمن الإقليم من جهة، ومن جهة أخرى صعوبة تمكن دول المنطقة التغلب على هذه التهديدات خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، ويعزى ذلك إما لضعف مقاربات هذه الدول أو الاعتماد على التدخل الأجنبي الذي يتعامل بمنطق المصلحة داخل الإقليم.

في حين عالج الفصل الثاني من هذا القسم الإجراءات التي يتخذها المغرب في بلورة هندسة أمنية شاملة خاصة على مستوى محاربة الإرهاب وهو المعادلة الأساسية في هذه الدراسة، وقد اعتمد المغرب في هذا الصدد خطوتين أساسيتين على المستوى الخارجي إعادة إحياء التاريخ المشترك بين المغرب وعمقه الإفريقي عبر الانفتاح على الدول والمنظمات الإقليمية (العودة لحاضنة الاتحاد الإفريقي، دوره الفعال في تجمع الساحل والصحراء، طلب الانضمام لمنظمة الإيكواس…) قصد التصدي لمختلف التهديدات الأمنية التي يكون منبعها عمق إقليم الساحل والصحراء، وهو ما لامسناه في التطور الذي حققته المملكة تجاه دول الإقليم سواء سياسيا أو اقتصاديا أو حتى أمنيا هنا دون إغفال التحول الذي تعامل معه المغرب مع قضية الصحراء بطرحه لمبادرة الحكم الذاتي باعتبار هذه الأخيرة  إحدى البؤر الصعبة التي تنتج قلاقل أمنية للمغرب. وكذلك مشاركته في عمليات حفظ السلام والأمن عبر إفريقيا جنوب الصحراء وتدبيره لملف المهاجرين السريين، وكذا إسهامه قي محاربة الإرهاب عبر دول المنطقة.

وفيما  يخص السياسة الداخلية للمغرب في محاربة التهديدات الأمنية خاصة الإرهاب فقد اعتمدت المملكة مقاربة شاملة وظفت فيها بين ما هو تشريعي، وأمني، وديني، ثم سوسيواقتصادي، تربوي. وما من شك أن هذه المقاربة شابتها نواقص وأخطاء خاصة بعد أحداث 16 مايو 2003. لكن التجربة المغربية في هذا المنحى كان لها طابع خاص محليا وإقليميا  ودوليا…

أما خاتمة البحث فقد خلصنا من خلالها إلى استنتاجات أهمها:

  • إن التهديدات الأمنية الحديثة على المنطقة بدأت ملامحها تلوح في الأفق خاصة بعد 11 سبتمبر 2001، ويعتبر تنامي هذه التهديدات متشابكا ومتداخلا ومستمرا يغذي بعضها البعض.
  • تشير مجموعة من الأبحاث والدراسات أن جل المقاربات المعتمدة لحل مشاكل الساحل والصحراء يشوبها الخلل في ظل تغييب منطق الشمولية والاندماجية…
  • ويبقى التصدي للتهديدات الأمنية رهين بضرورة التنسيق والتعاون الإقليمي والقاري وكذلك تفعيل الدور الإيجابي للقوى الدولية الفاعلة في الإقليم…
  • كما أن المغرب نظرا لارتباط استقراره بأمن دول المنطقة تفرض عليه الأوضاع البروز أكثر داخل هذه الدول وكسر كل الحواجز والمكائد التي تحاول بعض دول الجوار فرضها على المملكة، ولهذا يلزم على كل الفاعلين تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الذاتية لنجاح التجربة المغربية إقليميا، وكذا يجب على المغرب التعامل بذكاء دبلوماسي أكثر اتجاه دول إفريقيا جنوب الصحراء.
  • أما على المستوى الداخلي فاستمرارية حفظ واستقرار المغرب خاصة من الضربات الإرهابية موازاة مع كل المجهودات يتطلب إسهام كل الفاعلين من هيئات سياسية ومجتمعية وتربوية وإعلامية ودينية في التحسيس بمخاطر الإرهاب والتطرف، كما يجب التركيز أكثر على أسس التنشئة الاجتماعية واعتماد سياسة محاربة الإرهاب الشعبية للحد من الخطر الإرهابي.
  • كما يجب على المملكة توظيف مستوى التأهب الدائم كون الفعل الإرهابي مستمرا وقائما وفي تطور.

 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى