
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
فرنسا اليوم في مفترق تاريخي. استقالة سيباستيان لكرونو من منصب رئيس الوزراء، بعد أقل من شهر على تشكيل حكومته، ليست مجرد تعديل وزاري أو هزة عابرة. إنها إعلان ضمني بأن البلد الذي وعده الرئيس إيمانويل ماكرون بعهد جديد، لا يزال عاجزا عن تحقيق استقرار سياسي حقيقي. هذا الانهيار الحكومي يكشف عمق الأزمة؛ أزمة ليست فقط بالممارسة السياسية، بل في الثقة بين المواطنين والنخب، وفي وضوح الرؤية التي تقود الدولة.
من بين الأصوات الأكثر إثارة هذه الأيام، صوت ماريون ماريشال (يمين متطرف)، التي طالبت بشكل علني باستقالة الرئيس: « إيمانويل ماكرون عليه أخذ مسؤولياته والاستقالة». تصريحات تعبر عن انقسام عميق وليس مجرد نقد عابر. هذا النداء ليس فقط من جهة المعارضة المتطرفة، بل مؤشر واضح على تنامي شعور بأن الأزمة تتجاوز الحكومة نفسها، لتصل إلى مركز السلطة، إلى رئيس الجمهورية.
أما الوزير الأول المستقيل، فبحسب ما أوردته العديد من وسائل الاعلام، فقد أبلغ مقربين منه بأنه لا يرغب في أن يعاد تعيينه، بعد أن فشل في إقناع الكتل البرلمانية الكبرى بالدخول في ائتلاف حكومي قابل للحياة. في المقابل، دعا الرئيس ماكرون إلى جولة أخيرة من المشاورات، وكلف لكرونو بـ«مفاوضات نهائية خلال 48 ساعة» لتحديد «منصة عمل واستقرار للبلاد»، على أن تستأنف الاجتماعات صباح الثلاثاء مع رؤساء الأحزاب الحليفة.
لكن هذا المسعى يبدو أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى إيجاد حل حقيقي. فالمعارضة من اليمين واليسار على السواء تطالب إما باستقالة الرئيس نفسه، أو بتنظيم انتخابات تشريعية مبكرة تعيد الكلمة إلى الفرنسيين. لم يعد الخطاب السياسي يدور حول من يحكم، بل حول شرعية الحكم نفسها.
في مشهدٍ غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة، استقال وزير أول بعد أقل من شهر على تعيينه، فيما سقطت حكومته قبل أن تنال الثقة البرلمانية بـ13 ساعة فقط من الإعلان عنها. هذه السرعة المذهلة في الانهيار السياسي تعكس عمق التصدع داخل النظام، وتظهر إلى أي حد باتت الثقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية مفككة تماما. لقد أصبحت السلطة في باريس تشبه جسرا معلقا تهزه رياح الانقسام من كل اتجاه، دون أن يظهر في الأفق عمود يحمل توازنها.
في هذا السياق، تبدو السيناريوهات المطروحة محدودة: إما أن يختار الرئيس التهدئة عبر حكومة توافقية موسعة، أو أن يغامر بتبكير الانتخابات التشريعية، وربما، في حال الفشل المستمر، يجد نفسه أمام ضغط شعبي غير مسبوق يدفع نحو الاستقالة. وبين كل هذه الاحتمالات، يظل السؤال الأكبر: هل تمتلك فرنسا اليوم القوة السياسية والأخلاقية لإعادة بناء الثقة المفقودة؟
المقارنة التاريخية تكشف أن ما يجري اليوم يتجاوز الأزمات التقليدية التي عرفتها الجمهورية الخامسة. ففي عام 1962، استقال رئيس الوزراء جورج بومبيدو بعد أزمة مع البرلمان، لكن الأزمة انتهت حينها بتعزيز سلطة الجنرال ديغول. وفي عام 1992، واجه ميتران تصدعا حكوميا مماثلا، لكنه احتواه عبر توافق داخلي. أما اليوم، فلا توجد شخصية جامعة، ولا مشروع سياسي مقنع قادر على لعب هذا الدور. المشهد الحالي هو الأول من نوعه: حكومة تعلن، فترفض، ثم تستقيل قبل أن تمارس الحكم فعلا.
الأزمة الفرنسية تجاوزت حدودها الوطنية. ففي بروكسل وبرلين، تتعامل العواصم الأوروبية مع الارتباك السياسي في باريس بقلق واضح. الأسواق المالية أغلقت جلسة الاثنين على انخفاض طفيف في قيمة الأورو، فيما ارتفع العائد على السندات الفرنسية لأعلى مستوى له منذ عام 2012. البورصات الأوروبية تترقب “استقرارا سياسيا” لا يبدو قريبا، في وقت تعتبر فيه فرنسا ركيزة التوازن داخل الاتحاد الأوروبي. هذا الاضطراب لا يهدد فقط باريس، بل يعيد خلط الأوراق في قلب أوروبا، التي تواجه بالفعل أزمات اقتصادية وأمنية متلاحقة.
وفي الداخل الفرنسي، زادت الصورة قتامة مع صدور استطلاع للرأي صباح اليوم عن معهد IFOP، أظهر أن 41% من الفرنسيين باتوا يميلون للتصويت لحزب التجمع الوطني (RN) في حال إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، مقابل 21% فقط لمعسكر الرئيس ماكرون، و18% لليسار المتحد. هذا التحول الكبير في المزاج الانتخابي يترجم تراجع الثقة في السلطة الحالية، وصعود التيارات الاحتجاجية كبديل سياسي محتمل، مما يعزز المخاوف من دخول البلاد مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي غير المسبوق.
فرنسا اليوم أمام فصل سياسي دقيق يختبر تماسك جمهوريتها أكثر من أي وقت مضى. ماكرون يحاول الإمساك بخيوط الحكم وسط عاصفة من السخط العام والتفكك الحزبي، لكن الوقت يضيق. المهلة التي منحها لنفسه ولفريقه — 48 ساعة من «المفاوضات الأخيرة» — قد تتحول في الذاكرة السياسية الفرنسية إلى اللحظة التي سقط فيها وهم الاستقرار، وبدأت رحلة البحث عن بديل لنظام يترنح أكثر مما يحكم.



