في الواجهةكتاب السفير

استقالة مفاجئة للحكومة الفرنسية تجعل ماكرون في مواجهة أزمة الثقة الكبرى

استقالة مفاجئة للحكومة الفرنسية تجعل ماكرون في مواجهة أزمة الثقة الكبرى

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

استقالة الحكومة الفرنسية مساء الأحد لم تأت كالصاعقة، بل كانت أشبه بزلزال متوقع تأخّر حدوثه. بعد أشهرٍ من التوترات والاحتقان السياسي، وانقسام حاد في الجمعية الوطنية، وجد رئيس الوزراء سيباستيان لكرونو نفسه أمام طريق مسدود. الاستقالة لم تكن مفاجِئة بقدر ما كانت اعترافا ضمنيا بأن مشروع الترميم السياسي الذي وعد به الإليزيه لم يصمد أمام اختبار الواقع.
ما إن أُعلن النبأ حتى عم المشهد السياسي الفرنسي مزيج من الارتياح والذهول. المعارضة، من أقصى اليسار إلى اليمين المتطرف، قرأت في الحدث تأكيدا على فشل النموذج الماكروني في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. جان لوك ميلونشون اعتبر الاستقالة “نتيجة منطقية لحكومة بلا بوصلة”، فيما سارع جوردان بارديلا إلى وصفها بأنها “نهاية مرحلة من العناد السياسي”، ملمحا إلى أن الرئيس ماكرون فقد تدريجيا القدرة على فرض إيقاعه في الحياة العامة.
لكن خلف هذه التصريحات الساخنة، تكمن أسئلة أكثر عمقا: ماذا بعد؟ ومن سيتحمل مسؤولية إعادة تماسك المشهد السياسي؟ فاستقالة الحكومة لا تحل الأزمة المؤسساتية التي تعصف بفرنسا منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، بل تفتح الباب أمام فراغٍ سياسي قد يمتد لأسابيع، وربما يستثمر لإعادة تشكيل التوازنات داخل الأغلبية البرلمانية.
الصحافة الفرنسية بدورها لم تتردد في وصف ما جرى بأنه “انكسار سياسي” لماكرون في منتصف ولايته الثانية. صحيفة Le Monde اعتبرت أن الرئيس يدفع ثمن رهانه على ولاءات غير مستقرة داخل المعسكر الوسطي، بينما عنونت Libération صفحتها الأولى بـ«الاستقالة التي تعرّي الأزمة»، مشيرة إلى أن التبديلات الحكومية المتتالية لم تعد تقنع أحدا بأن النظام التنفيذي قادر على تجديد نفسه فعلا. أما Le Figaro، فذهبت إلى أن ماكرون لا يزال يملك زمام المبادرة إذا ما أحسن اختيار خليفة لكرونو من بين الشخصيات القادرة على نسج توافق برلماني مؤقت يجنّب البلاد انتخابات مبكرة.
الشارع الفرنسي، من جهته، تلقى الخبر بمزيج من اللامبالاة والضيق. فالمواطنون الذين أنهكتهم أزمات المعيشة والتضخم والضرائب، باتوا يرون في التغييرات الحكومية المتكررة مشهدا سياسيا بلا مضمون. استطلاعات الرأي الأولى بعد الاستقالة كشفت أن أكثر من 62% من الفرنسيين لا يثقون بقدرة أي حكومة قادمة على “تغيير مسار الأمور”، وهو رقم يختصر حجم الهوة بين النخبة السياسية والرأي العام.
الاستقالة الحالية ليست مجرد حدث إداري أو إجراء دستوري. إنها مرآة لأزمة عميقة تعيشها الديمقراطية الفرنسية: أزمة ثقة، وأزمة تمثيلية، وأزمة رؤية. لقد ولدت حكومة لكرونو وهي تحمل على كتفيها وعود “البداية الجديدة”، لكنها رحلت وهي تحمل بصمتها كلّ إخفاقات الحقبة الماكرونية، من الانقسام الاجتماعي إلى الشعور العام بالعجز السياسي.
الآن، فرنسا أمام معادلة صعبة: رئيس يريد الاستمرار في الحكم دون قاعدة برلمانية صلبة، ومجتمع يطالب بتغييرٍ جذريّ لا تقدر عليه صناديق الاقتراع وحدها. إنها لحظة دقيقة في التاريخ السياسي الفرنسي، لحظة تذكّر بأن الاستقالة قد تضع حدا لأزمة حكومة، لكنها نادرا ما تضع حدّا لأزمة نظام.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى