
السفير 24
تعيش الساحة المغربية على وقع موجة من الاحتجاجات الشعبية التي يقودها شباب جيل “Z”، وهي احتجاجات لم تنطلق من فراغ، بل من وقائع صادمة هزّت الضمير الجماعي وزعزعت ما تبقى من ثقة بين المواطن والدولة.
والسببان الرئيسيان اللذان أججا هذا الاحتقان هما وفاة ثماني نساء حوامل داخل مستشفى الحسن الثاني بأكادير في ظروف غامضة، وإقرار القانون 24-59 المتعلق بالتعليم العالي، والذي اعتبرته الأوساط الجامعية والأكاديمية تراجعاً خطيراً يهدد مستقبل الجامعة العمومية.
المأساة التي وقعت بمستشفى الحسن الثاني بأكادير شكلت النقطة المفصلية في انفجار الغضب الشعبي، حيث فارقت ثماني نساء الحياة أثناء الولادة، دون أن تكلف وزارة الصحة أو رئاسة الحكومة نفسها عناء إصدار بلاغ رسمي للرأي العام يوضح ملابسات الحادث وأسبابه.
هذا الصمت المطبق فُسِّر على نطاق واسع بأنه استخفاف بأرواح المواطنات، وكأن حياة النساء في بلدهن لا تساوي شيئاً. بينما في تجارب دولية عديدة، يكفي أن تتوفى امرأة أو اثنتان في ظروف غير مبررة حتى يقدم وزير الصحة استقالته فوراً باعتبارها مسؤولية سياسية وأخلاقية.
وزير الصحة الحالي، أمين التهراوي، وُضع في قلب العاصفة. ليس فقط بسبب غياب التوضيحات الرسمية، ولكن أيضاً بسبب مساره المهني الذي لا يمتّ بصلة إلى القطاع الصحي، إذ لم يكن يوماً إطاراً طبياً أو خبيراً في التدبير الصحي، بل اشتغل في مجال المستحضرات الطبية قبل أن يصبح وزيراً بفضل قربه من دواليب الحكومة.
هذا المسار جعل الرأي العام يعتبر أن المنصب أكبر من قدراته، وزاد من حدّة الانتقادات ضده ما نُسب إليه من تصريحات غير مسؤولة من قبيل دعوته أحد المسؤولين الصحيين إلى الاحتجاج بدل تحمل المسؤولية.
وبحسب معطيات موثوقة توصلت بها جريدة “السفير 24″ ، فإن أحد أنواع مواد التخدير الجراحية المعروع ب”Prostegmine” مفقود من بعض المستشفيات العمومية بشكل شبه كامل.
كما تؤكد المصادر نفسها أن الوضع في مستشفى مولاي عبد الله بمدينة المحمدية كارثي، إذ أن مادة التخدير الكلي (الإجمالي) “Prostegmine” منعدمة منذ قرابة تسعة أشهر، ما يجعل العمليات الجراحية التي تتطلب هذا النوع من التخدير غير ممكنة، ويضطر الطاقم الطبي إلى الاقتصار فقط على عمليات التخدير الجزئي. هذا المعطى وحده كافٍ ليُظهر خطورة الوضع الصحي، ويؤكد أن المنظومة الصحية العمومية في حالة انهيار صريح.
أما بخصوص مأساة أكادير، فتتداول إشاعة قوية في الأوساط الطبية والشعبية تفيد بأن سبب وفاة النساء الثماني قد يكون مرتبطاً بعفونة مواد التخدير المستعملة، وهو ما يثير أسئلة محرجة على وزير الصحة: كيف يمكن أن يستمر انعدام مادة حيوية كالتخدير الكلي لما يقارب تسعة أشهر في مستشفى عمومي دون أن يتحرك الوزير أو وزارته؟ وإذا كانت إشاعة “عفونة التخدير” وراء وفيات أكادير صحيحة، فأين هي نتائج التحقيق الطبي والجنائي؟ وأي لجنة مستقلة يمكن أن تضمن للمغاربة الشفافية في هذا الملف؟ ولماذا لم تُصدر وزارة الصحة أو رئاسة الحكومة بلاغاً يوضح للرأي العام الأسباب الحقيقية، احتراما لحق المواطنين في المعلومة كما يفرضه الدستور؟ وكيف يمكن لوزير لا يملك أي تكوين طبي أو خبرة في التدبير الصحي أن يتحمل مسؤولية قطاع حساس كالصحة العمومية؟
في مقابل هذا الوضع الصحي الكارثي، جاء القانون 24-59 ليزيد الطين بلة. فقد اعتُبر هذا القانون ضربة قاسية للجامعة العمومية، إذ يقوّض استقلاليتها الأكاديمية ويكرّس مزيداً من البيروقراطية، ويهدد بجعل التعليم العالي رهيناً لمقاربات تقنية ضيقة. فالنقابات والطلبة والأطر الجامعية اعتبرت أن هذا القانون يمثل “ردة حقيقية” على المكتسبات، ويفتح الباب أمام نزيف الأطر والكفاءات نحو الخارج.
أمام هذه الوقائع، تجد حكومة أخنوش نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع الرأي العام. فبدل أن تبرهن على الكفاءة في إدارة الأزمات، وُصمت بالعجز والتقصير، وزادت تصريحات رئيسها الاستفزازية من قبيل قوله إن “المغاربة لمّامربيش نعاودو ليه التربية” من توسيع الهوة بين الدولة والمجتمع.
إن مقارنة الوضع المغربي بتجارب دولية أخرى تبرز حجم المفارقة: ففي كثير من الدول، مجرد وفاة مواطنة واحدة بسبب إهمال طبي أو تقصير وزاري، يكون كافياً لإسقاط حكومة أو دفع وزير للاستقالة. بينما في المغرب، يمرّ موت ثماني نساء في ظروف غامضة دون بلاغ أو مساءلة، وكأن المسؤولية السياسية لا وجود لها.
هذه المأساة المزدوج، بين انهيار المنظومة الصحية وتجريف التعليم العالي، هي التي دفعت الشارع إلى الانفجار، وجعلت الاحتجاجات الحالية تحمل بعداً أعمق من مجرد رفض لسياسات آنية، وبالتالي فهي تعبير عن أزمة ثقة شاملة في حكومة أخنوش، وعن مطلب شعبي متزايد بضرورة المحاسبة والإقالة كشرط لاستعادة كرامة المواطن وثقته في مؤسساته.
ومن الناحية الدستورية، فإن الفصل 41 من دستور 2011 يؤكد أن الملك هو الضامن لاحترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق المواطنين. وهو ما يجعل أصوات الشارع اليوم تتجه إلى المؤسسة الملكية باعتبارها المرجعية الضامنة للتوازن السياسي، مطالبةً بتدخل ملكي مباشر لإقالة الحكومة الحالية التي فقدت شرعيتها السياسية والشعبية، ولإعادة ترتيب البيت الداخلي على أسس جديدة تضع المواطن وحقوقه الدستورية في صلب الأولويات.



