
السفير 24
في السياسة، لا تكفي كثرة المناصب لإثبات النجاح، كما أن طول البقاء داخل المؤسسات المنتخبة لا يمكن أن يتحول تلقائيا إلى شهادة على حسن الأداء.
فالمسؤولية السياسية تكليف قبل أن تكون امتيازا، والولاية الانتخابية ليست ملكا شخصيا، وإنما تفويض مؤقت من المواطنين يفترض أن تكون نهايته حصيلة واضحة يمكن عرضها ومناقشتها ومساءلتها. ومن هذه الزاوية تحديدا، يفرض المسار السياسي لمصطفى القاسمي نفسه بقوة على النقاش العمومي بإقليم سطات، بالنظر إلى تعدد المسؤوليات التي تقلدها على امتداد سنوات طويلة، وما يفترض أن يكون قد راكمه خلالها من إنجازات ومكتسبات لفائدة الإقليم وساكنته.
فمصطفى القاسمي لم يكن منتخبا عابرا مر من مؤسسة واحدة ثم غادرها، وإنما راكم مسؤوليات ومواقع متعددة، من بينها نائب برلماني عن إقليم سطات، ومستشار برلماني، ورئيس المجلس الإقليمي لسطات، ونائب رئيس جهة الشاوية ورديغة، فضلا عن رئاسته لجماعة أولاد فارس الحلة لولايتين. وهي مسؤوليات تضعه، بحكم موقعه وتجربته وطول حضوره في المؤسسات المنتخبة، أمام مسؤولية سياسية أكبر، وتجعل من حق ساكنة سطات أن تطلب منه اليوم أكثر من مجرد استعراض هذا المسار، وأن تسأله عن الحصيلة التي تركها وراءه في كل محطة من هذه المحطات.
فبعد كل هذه السنوات، لا يبدو السؤال حول تجربة مصطفى القاسمي ترفا سياسيا أو محاولة لتصفية الحسابات، وإنما أصبح سؤالا مشروعا يفرض نفسه بقوة: ماذا قدم مصطفى القاسمي لسطات مقابل كل هذه المسؤوليات والولايات؟ ماذا تحقق بفضل وجوده داخل المؤسسات التشريعية والترابية؟ وما هي الملفات التي حملها إلى دوائر القرار ونجح في تحويلها من مطالب إلى مشاريع وقرارات ملموسة يستفيد منها المواطن؟
فالمواطن السطاتي لا يعيش داخل قاعات البرلمان أو المجالس المنتخبة، ولا تعنيه كثيرا الألقاب والمواقع بقدر ما تعنيه النتائج التي يلمسها في حياته اليومية.. يريد أن يعرف ماذا تحقق في الاستثمار، وأين هي فرص الشغل، وما الذي تغير في الصحة والتعليم والنقل والبنيات الأساسية، وماذا تحقق للعالم القروي، وما هي المشاريع التي استطاعت هذه المسؤوليات المتعددة أن تخرجها من دائرة الوعود والمطالب إلى دائرة الإنجاز الفعلي.
وهنا تحديدا تصبح مساءلة مصطفى القاسمي مشروعة، بل ضرورية، بالنظر إلى طول تجربته وتعدد المواقع التي تحمل فيها المسؤولية. فحين يكون السياسي قد راكم مسؤوليات على مستوى الجماعة والمجلس الإقليمي والجهة والمؤسسات التشريعية، فإن الحديث عن محدودية هامش التأثير لا يمكن أن يكون الجواب الوحيد.
لقد كانت أمام القاسمي مواقع ومساحات للترافع، وكانت أمامه مؤسسات ودوائر قرار، وكانت أمامه سنوات طويلة للدفاع عن ملفات سطات، ولذلك فإن السؤال البسيط الذي ينتظر جوابا واضحا هو: ماذا تحقق؟
وبعد كل هذه المسؤوليات، يصبح من المشروع طرح سؤال أكثر مباشرة على مصطفى القاسمي: ماذا يريد أكثر؟ هل ولاية جديدة؟ منصب جديد؟ مسؤولية جديدة؟ أم أن المرحلة تقتضي أولا تقديم حصيلة الولايات السابقة قبل الحديث عن المستقبل؟
فمن حق مصطفى القاسمي أن يواصل مساره السياسي، ومن حقه أن يترشح وأن يطلب ثقة الناخبين، لكن من حق المواطن السطاتي أيضا أن يسأله عما فعله بالثقة التي سبق أن منحت له. فالولاية الجديدة لا ينبغي أن تكون امتدادا آليا للولاية السابقة، وإنما يفترض أن تكون مبنية على حصيلة واضحة: ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ لماذا تعثر؟ وما الذي لم يتم إنجازه رغم مرور سنوات طويلة من المسؤولية؟
أما الاستمرار في طلب ثقة الناخبين دون وضع الحصيلة السابقة على الطاولة، فيفتح الباب أمام سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل أصبح الوصول إلى المنصب أهم من تقديم الحساب السياسي عن المنصب؟
ورئاسة مصطفى القاسمي لجماعة أولاد فارس الحلة لولايتين تفرض بدورها وقفة واضحة مع الحصيلة. فبعد ولايتين في تدبير الشأن المحلي، من حق سكان الجماعة أن يعرفوا ماذا تغير على أرض الواقع خلال هذه الفترة. ما هي المشاريع التي تحققت؟ ما هي البنيات التي تم تحسينها؟ ماذا عن الطرق والمسالك والخدمات والمرافق؟ ما الذي تحقق لفائدة العالم القروي؟ وما هي الملفات التي بقيت عالقة رغم مرور سنوات من التدبير؟
هذه الأسئلة موجهة تحديدا إلى تجربة مصطفى القاسمي في رئاسة الجماعة، ولا تتعلق بعموم المنتخبين أو السياسيين. فبعد ولايتين، يصبح من حق المواطن أن يطلب حصيلة واضحة عن فترة التدبير، وأن يعرف ماذا تحقق فعلا وما الذي بقي مجرد وعود أو مشاريع مؤجلة. وإذا كانت هناك حصيلة إيجابية وقوية، فإن أفضل جواب على كل الانتقادات هو عرضها أمام الرأي العام بالأرقام والمشاريع والتواريخ، لأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من التبرير.
والأمر نفسه ينطبق على تجربة مصطفى القاسمي في رئاسة المجلس الإقليمي لسطات ونائب رئيس جهة الشاوية ورديغة، فضلا عن حضوره داخل المؤسسات التشريعية. فالمواطن يريد أن يعرف ماذا عاد عليه هذا الحضور المؤسساتي. كم ملفا تم الدفاع عنه؟ كم مشروعا تمت متابعته؟ كم استثمارا تم الترافع من أجله؟ وما هي النتائج التي تحققت لفائدة إقليم سطات؟
فالترافع السياسي الذي يفترض أن يكون جزءا من مسؤولية مصطفى القاسمي لا يقاس فقط بعدد الأسئلة والمداخلات والاجتماعات، وإنما بمدى قدرة هذا الترافع على الوصول إلى نتائج. وهنا يكمن الفرق بين الحضور السياسي والأثر السياسي. فالحضور يمكن رصده في المؤسسات والصور والاجتماعات والمداخلات، أما الأثر فلا يظهر إلا في المشاريع والقرارات والنتائج التي يلمسها المواطن.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر حساسية يتعلق بمسار مصطفى القاسمي نفسه: هل تحولت المسؤوليات المتعددة التي راكمها مع مرور السنوات إلى وسيلة لخدمة المواطن وتحقيق التنمية، أم أن تعدد الولايات والمواقع أصبح في نظر جزء من الرأي العام عنوانا للحضور السياسي والشهرة والنفوذ أكثر منه مؤشرا على حجم الإنجاز؟
بل إن المساءلة الصحفية يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، عبر طرح سؤال لا يتضمن اتهاما وإنما يعكس هواجس مشروعة لدى المواطن: هل يمكن أن تتحول المناصب، عندما تطول مدة البقاء فيها وتتعدد، من مسؤولية لخدمة الشأن العام إلى وسيلة للحفاظ على المكانة والنفوذ أو حتى البحث عن نوع من الحماية السياسية؟
ولا يعني طرح هذا السؤال اتهام مصطفى القاسمي بوجود حماية من هذا النوع، كما لا يثبت بأي شكل من الأشكال وجودها، وإنما يضع مساره الطويل أمام اختبار سياسي واضح: الحصيلة. فمن لديه إنجازات فليقدمها، ومن لديه مشاريع فليعرضها، ومن لديه أرقام فليضعها أمام المواطنين. أما النقاش السياسي الجاد فلا يمكن أن يبنى على الانطباعات، كما لا يمكن أن يبنى على الألقاب والمناصب وحدها.
وإلى جانب سؤال الحصيلة، يبرز موضوع تغيير الانتماء السياسي باعتباره جزءا من النقاش الذي يهم الناخب السطاتي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمسار سياسي طويل مثل مسار مصطفى القاسمي.
فالانتقال بين الأحزاب حق سياسي مشروع، لكن المواطن الذي يمنح صوته لمرشح على أساس برنامج وانتماء سياسي، من حقه أيضا أن يعرف أسباب تغيير الوجهة: ما الذي تغير في القناعات؟ وما الذي تغير في البرامج؟ وهل هناك مشروع سياسي جديد؟ وهل سيؤدي الانتقال إلى تغيير فعلي في طريقة الدفاع عن مصالح سطات؟
هذه ليست أسئلة شخصية موجهة إلى مصطفى القاسمي، وإنما أسئلة سياسية مشروعة تفرضها طبيعة المسار الذي راكمه. فالسياسي قد يغير الحزب، لكن المواطن لا ينبغي أن يغير ذاكرته. والوعود السابقة لا تختفي بمجرد تغيير اللون السياسي، كما أن الحصيلة السابقة لا تسقط بمجرد الانتقال إلى موقع أو إطار سياسي جديد.
وسطات اليوم تحتاج إلى أن يكون النقاش حول مصطفى القاسمي، كما حول أي مسؤول منتخب، قائما على النتائج لا على الأسماء. فالإقليم يحتاج إلى استثمارات تخلق فرص الشغل، وبنيات تحتية قوية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ونقل يليق بالساكنة، وتنمية حقيقية للعالم القروي، ودعم المجال الفلاحي، وترافع جاد من أجل المشاريع الكبرى التي يمكن أن تمنح سطات موقعا اقتصاديا وتنمويا أفضل.
وهذه تحديدا هي الملفات التي ينبغي أن يسأل عنها مصطفى القاسمي بعد كل هذه السنوات التي قضاها داخل المؤسسات. فلا يكفي أن يكون السياسي حاضرا في دوائر القرار، بل المطلوب أن يكون لهذا الحضور أثر على أرض الواقع. ولا يكفي أن يمتلك المنتخب تجربة طويلة، بل ينبغي أن تتحول هذه التجربة إلى خبرة تنتج حلولا ومشاريع ومكتسبات.
فإذا كان مصطفى القاسمي يستعد لمواصلة مساره السياسي، فإن من حقه أن يطلب ثقة الناخبين من جديد، لكن من حق الناخبين أيضا أن يضعوا أمامه حصيلة الولايات السابقة قبل أن يمنحوه ثقة جديدة.
ومن حق المواطن أن يسأل بوضوح: ما هي المشاريع التي تحققت خلال هذه السنوات؟ ما هي الملفات التي تم حلها؟ ما هي الاعتمادات التي تم جلبها؟ ما هي الاستثمارات التي تم الترافع بشأنها؟ ما هي فرص الشغل التي ساهمت هذه المسؤوليات في خلقها؟ وما هي الوعود التي لم تتحقق؟ ولماذا؟
هذه ليست أسئلة محرجة في الديمقراطية، بل هي صميم الديمقراطية. بل إن تقديم الحصيلة ينبغي أن يكون حقا للمواطن وواجبا على كل من يطلب منه تجديد الثقة، ومصطفى القاسمي ليس استثناء من هذه القاعدة.
وفي نهاية المطاف، ليست المشكلة في أن يستمر مصطفى القاسمي في العمل السياسي، وليست المشكلة في أن يطمح إلى مسؤولية جديدة. فذلك حق سياسي لا يمكن مصادرته. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول تعدد المسؤوليات إلى غاية في حد ذاته، بدل أن يكون وسيلة لتحقيق نتائج ملموسة لفائدة المواطنين.
وبعد أن كان مصطفى القاسمي نائبا برلمانيا عن إقليم سطات، ومستشارا برلمانيا، ورئيسا للمجلس الإقليمي لسطات، ونائبا لرئيس جهة الشاوية ورديغة، ورئيسا لجماعة أولاد فارس الحلة لولايتين، يصبح من حق الرأي العام أن يرفع سقف السؤال أكثر: ماذا بقي أكثر؟
وإذا كانت هناك رغبة لدى مصطفى القاسمي في ولاية جديدة أو مسؤولية جديدة، فإن السؤال الذي يجب أن يسبقها هو: ماذا قدمت في الولايات السابقة؟
فالمواطن لا يمنح شيكا على بياض، والانتخابات ليست تفويضا أبديا، والمناصب ليست ملكية شخصية. ومهما طال المسار السياسي لأي منتخب، فإن كل ولاية جديدة يجب أن تكون مسبوقة بحصيلة واضحة عن الولاية السابقة.
وسطات أكبر من مصطفى القاسمي، وأكبر من أي اسم سياسي، وأكبر من أي حزب، وأكبر من كل المناصب. وما سيبقى في ذاكرة المواطن ليس عدد الولايات التي قضاها هذا السياسي أو ذاك، وإنما المشاريع التي أنجزت، والملفات التي حلت، وفرص الشغل التي خلقت، والخدمات التي تحسنت، والنتائج التي لمسها المواطن على أرض الواقع.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي استحقاق انتخابي جديد لا ينبغي أن يكون فقط: من سيترشح؟ ولا إلى أي حزب سينتمي مصطفى القاسمي؟ بل ينبغي أن يكون أكثر وضوحاه: ماذا قدم؟
وبالنسبة إلى مصطفى القاسمي تحديدا، يبقى السؤال مفتوحا أمام الرأي العام بسطات: بعد كل هذه السنوات وكل هذه المسؤوليات، ماذا قدم مصطفى القاسمي لسطات؟ وماذا يريد أكثر؟ وهل حان وقت ولاية جديدة، أم حان أولا وقت تقديم الحصيلة؟



