
السفير 24
يبدو أن رئيس جماعة بني يكرين بإقليم سطات، حميد الله بوشعيب، يتهيأ لخوض تجربة سياسية جديدة، عنوانها الانتقال من تدبير الشأن الجماعي إلى مقاعد البرلمان، وهو طموح مشروع في حد ذاته، غير أن هذا الطموح يضع صاحبه أمام امتحان لا يمكن تجاوزه بسهولة: هل تسمح حصيلة تدبير بني يكرين بفتح الطريق نحو القبة التشريعية؟ وهل استطاع رئيس الجماعة أن يقنع ساكنتها بما يكفي من الإنجازات حتى يطلب منها تفويضا جديدا، هذه المرة لتمثيلها على المستوى البرلماني؟
وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بمناقشة طموح شخصي بقدر ما يتعلق بمساءلة حصيلة تدبير جماعة يفترض أن تكون التنمية والخدمات وتحسين ظروف عيش الساكنة في صلب أولوياتها. فبني يكرين، وفق ما يثار من انتقادات محلية، ما تزال تواجه عددا من الانتظارات التي تبحث عن أجوبة، الأمر الذي يجعل السؤال مشروعا حول ما تحقق فعليا خلال فترة رئاسة حميد الله بوشعيب، وما إذا كانت الوعود والبرامج قد تحولت إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وبالتالي، فإن من حق حميد الله بوشعيب أن يطمح إلى البرلمان، لكن من حق ساكنة بني يكرين أيضا أن تطلب منه كشف الحصيلة قبل تجديد الثقة. ماذا تحقق؟ ما هي المشاريع التي تركت أثرا واضحا في الجماعة؟ وما الذي تغير في الخدمات والبنيات الأساسية؟ وأين هي الأوراش التي يمكن تقديمها اليوم باعتبارها عنوانا لتجربة ناجحة في تدبير الشأن المحلي؟ إنها أسئلة لا تحمل أي استهداف شخصي، وإنما تعكس جوهر المساءلة الديمقراطية، خصوصا عندما يكون المسؤول المحلي بصدد طلب تفويض سياسي جديد وأوسع.
ثم إن نجاح أي جماعة قروية لا يقاس بحجم المشاريع الضخمة فقط، وإنما بقدرتها على معالجة الملفات التي تمس حياة المواطن مباشرة، من الطرق والمسالك والماء والإنارة والنظافة والمرافق، إلى الخدمات الإدارية ودعم الأنشطة المحلية وتشجيع المبادرات الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا، فإن الحديث عن الانتقال من جماعة بني يكرين إلى البرلمان يظل مرتبطا بشكل مباشر بسؤال الحصيلة: هل استطاع حميد الله بوشعيب أن يجعل من الجماعة نموذجا في التدبير المحلي، حتى يقدم نفسه باعتباره قادرا على حمل ملفاتها إلى المؤسسة التشريعية؟
والأمر لا يقف عند حدود المشاريع والإنجازات المادية، بل يمتد إلى التدبير الإداري والمالي، والحكامة، والتواصل مع المواطنين، وترتيب الأولويات، والقدرة على الترافع لدى المؤسسات والقطاعات الحكومية. وهي كلها عناصر تدخل في صميم تقييم أي مسؤول منتخب، بل تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بشخص يريد الانتقال من مسؤولية جماعية محدودة المجال إلى مسؤولية برلمانية أوسع وأكثر تعقيدا. وإذا كانت هناك انتقادات موجهة إلى طريقة تدبير الجماعة أو إلى مستوى التنمية بها، فإن أقوى رد عليها لا يكون بالخطاب، وإنما بتقديم الحصيلة بالأرقام والمشاريع والنتائج.
وفي المقابل، يطرح الطموح البرلماني سؤالا آخر لا يقل أهمية: ماذا سيحمل حميد الله بوشعيب معه إلى البرلمان إذا تمكن من الوصول إليه؟ هل سيكون قادرا على تحويل مشاكل بني يكرين والعالم القروي إلى ملفات حقيقية للترافع؟ وهل يمتلك تصورا واضحا للدفاع عن حاجيات إقليم سطات في مجالات البنيات الأساسية والاستثمار والتعليم والصحة والنقل وفرص الشغل والتنمية القروية؟ فالبرلماني لا يكفي أن يعرف مشاكل المواطنين، وإنما يفترض أن يعرف كيف يحولها إلى أسئلة ومقترحات ومبادرات، وكيف يتابعها داخل دوائر القرار.
ومن جهة أخرى، فإن مستوى الترافع السياسي والمعرفي يظل جزءا أساسيا من النقاش، لأن تمثيل المواطنين داخل البرلمان يتطلب إلماما بآليات التشريع والرقابة والسياسات العمومية، وقدرة على صياغة المطالب والدفاع عنها بفعالية. فالساكنة لا تحتاج فقط إلى من يتحدث باسمها، وإنما إلى من يعرف كيف وأين ومتى يترافع باسمها، ومن يستطيع نقل قضايا بني يكرين من مجالس النقاش المحلي إلى المؤسسات التي تملك القرار والإمكانات.
وفي نهاية المطاف، فإن حميد الله بوشعيب أمام معادلة سياسية واضحة: من يريد أن يمثل بني يكرين داخل البرلمان، عليه أولا أن يقنع بني يكرين بأنه نجح في تمثيلها وتدبير شؤونها محليا. فالانتقال إلى البرلمان ينبغي أن يكون امتدادا لمسار ناجح، لا قفزة فوق أسئلة الحصيلة. ومن حق رئيس الجماعة أن يطمح، ومن حق خصومه أن ينتقدوا، ومن حق الساكنة أن تحكم؛ لكن الحكم الحقيقي لن يكون بالشعارات أو الصور أو الوعود، وإنما بالنتائج والإنجاز والقدرة على الترافع. فالمواطن قد ينسى كثيرا من الخطابات، لكنه لا ينسى واقع جماعته، ولا ينسى ما تحقق فيها وما بقي مجرد وعود.
يتبع..



