
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
لم تعد الأرقام مجرد جداول جامدة في تقارير رسمية، بل تحولت إلى صفارات إنذار تدق في صمت: بطالة شباب تبلغ 36.7%، وثقة سياسية تتبخر، فيما أكثر من 91% من المغاربة خارج الأحزاب. إنها مرآة لخيبة جيل Z، جيل ولد في عصر الرقمنة، ونشأ على وعود لم تتحقق، ليجد نفسه خارج المعادلة الاقتصادية والسياسية.
في تقرير أعده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (2025)، تأكد أن ثلث شباب المغرب محكوم عليه بانتظار طويل، في ظل ضعف مشاركة نسائية واقتصاد غير مهيكل بلا حماية.
وعلى الجانب السياسي، تكشف الأرقام عن فوهة عميقة بين المواطن والأحزاب. في استطلاع أجراه المركز المغربي للمواطنة، تبين أن 91,2% من المواطنين غير منخرطين في أي حزب، وأكثر من 71% لم يسبق لهم الانخراط أصلا، بينما لا يفكر سوى 23,8% في الانضمام مستقبلا. الأشد قسوة أن 94,8% صرحوا بأنهم لا يثقون في الأحزاب، و91,5% قيموا أدائها سلبا — أرقام تفوق حتى ثقة الناس في البرلمان (89,5%) والحكومة (87,3%) . وفي تجربة ميدانية أجراها المركز المغربي للمواطنة مؤخرا تؤكد أن الأحزاب غالبا لا ترد على طلبات الانخراط: حوالي 80% من هذه الطلبات تهمل أو تترك من دون جواب.
هنا يقف جيل Z، في قلب هذه الهوة، كمرآة للحالة المزدوجة: ضعف النمو الاقتصادي وفقدان المصداقية في الأحزاب السياسية. لسنوات قيل عنه إنه جيل “غير واع”، “سطحي”، مدمن على الفيديوهات. لكنه أثبت أنه أكثر كونيكطي – connecté – مما اعتقدنا: خرج إلى الشارع لأنه فهم أن الأحزاب لا تصغي، وأن وعود الحكومات المتعاقبة تركته يواجه مصيره وحيدا.
مطالبه ليست طوباوية ولا ثورية، بل بديهية: تعليم يليق بالعصر، لا شهادات معلبة لبطالة مضمونة. صحة تعالج فعلا، لا مستشفيات تعاني أعطاب السكانير قبل أن تعالج المرضى. شغل يضمن الكرامة، لا عقود هشة في مراكز اتصال ولا فرص عمل تهدر فيها الكرامة باسم “الاندماج المهني”.
الرد على هذه الاحتجاجات بالتوقيف، و”سطافيط”، والزرواطة. مقاربة قد تسكت الشارع يوما، لكنها لن تعالج غياب المطالب الاجتماعية. لأن السطافيط، مهما كانت سريعة، لن تعوض الحصول على عمل بسرعة. وصلابة الزرواطة، مهما كانت شديدة، لن تعوض أعطاب السكانير في المستشفيات.
جيل Z ليس عدوا يجب كبحه، بل طاقة يجب الإصغاء إليها. الاحتجاج السلمي الذي يخوضه مشروع، لكن الخطر يكمن في أن تركب عليه أجندات عابرة لا علاقة لها بمطالبه بعدالة اجتماعية. الطريق الوحيد هو الإصغاء بعمق لمطالب جيل بأكمله، جيل يطالب بما هو أبسط وأعمق في آن واحد: تعليم حديث، صحة لائقة، وشغل يحفظ الكرامة. هؤلاء ليسوا “جيلا ضائعا” كما يسفه البعض، بل جيلا يصر على أن يكون حاضرا في مستقبل بلده تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.



