مجتمعفي الواجهة

سليمان الريسوني بين خطاب المنصات وذاكرة الصحافة المغربية

سليمان الريسوني بين خطاب المنصات وذاكرة الصحافة المغربية

REGION CASA SETTAT

السفير 24

تثير بعض تدوينات سليمان الريسوني على مواقع التواصل الاجتماعي نقاشا واسعا حول المسافة بين الصورة التي يقدمها عن نفسه اليوم، وبين مساره المهني والسياسي كما عرفه الرأي العام المغربي خلال السنوات الماضية. فالرجل الذي يرفع سقف خطابه في انتقاد زملائه ومهاجمة تجارب صحفية مغربية، يبدو أحيانا وكأنه يعيد تقديم سيرته المهنية من زاوية واحدة، متجاهلا تفاصيل أخرى لا تزال حاضرة في ذاكرة المتابعين.

ومن بين القضايا التي تستحق التوقف عندها، حديث الريسوني عن تجربته في إحدى اليوميات المغربية وتقديمها باعتبارها من أكبر الصحف في البلاد. فبصرف النظر عن ترتيب الجريدة وحجم انتشارها، فإن استحضار تلك المرحلة يقتضي أيضا وضعها في سياقها المهني والإداري، وعدم اختزال التجربة في الألقاب والمواقع التي شغلها الرجل.

فالصحافة، في نهاية المطاف، ليست منصة لتوزيع صكوك التفوق المهني، وإنما مسؤولية تقوم على التراكم والخبرة والقدرة على احترام أخلاقيات المهنة، فضلا عن تحمل تبعات المواقف والاختيارات التي يتخذها الصحفي خلال مساره.

ومن هنا، فإن تقديم الذات باعتبارها نموذجا استثنائيا في الصحافة المغربية يظل قابلا للنقاش والمساءلة، خصوصا عندما يتم التعامل مع الماضي بمنطق الانتقاء، وإبراز ما يخدم الصورة الحالية، مقابل إسقاط العناصر الأخرى من الرواية.

كما أن انتقال بعض الصحفيين بين منابر إعلامية مختلفة لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمزايدة على الآخرين، لأن المشهد الصحفي المغربي، بكل تناقضاته وإكراهاته، عرف أجيالا وتجارب متعددة، ولكل تجربة سياقها ونجاحاتها وإخفاقاتها.

أما مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت اليوم فضاء مفتوحا لإعادة بناء الصور الشخصية، حيث يستطيع أي شخص أن يقدم نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة. غير أن الذاكرة المهنية والجماعية تظل أكثر تعقيدا من منشور عابر، ولا يمكن إعادة تشكيلها بمجرد تغيير الخطاب أو رفع نبرة الانتقاد.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط ماذا يقول سليمان الريسوني اليوم، وإنما أيضا كيف ينسجم خطابه الحالي مع مساره السابق، وما الذي يمكن أن يتغير عندما ينتقل الصحفي من موقع الفاعل داخل المشهد الإعلامي إلى موقع المعلق عليه من الخارج؟

إن النقد حق مشروع، والمراجعة حق مشروع كذلك، لكنهما يكتسبان قيمتهما عندما يقومان على قدر من الإنصاف والموضوعية، بعيدا عن صناعة صورة مثالية للذات أو اختزال تجارب الآخرين في أحكام جاهزة.

وفي النهاية، تبقى الصحافة أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، ولا تُقاس قيمتها بعدد الألقاب التي يرفعها أصحابها، وإنما بما راكموه من مهنية ومصداقية واحترام للقارئ ولأخلاقيات المهنة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى