
السفير 24 – جمال اشبابي
حين كانت مدينة وجدة تكتب حكاية الراي على ذرات تاربها الساخنة في سبعينيات القرن الماضي، وصدى التحولات الاجتماعية يتردد بين جدرانها العتيقة، انفجر صوت يملك مفاتيح الأرواح. لم يأت من صالات العرض الفارهة، بل من قلب الأحياء الشعبية، يحمل في نبراته رائحة التراب، ومرارة الغربة، ودفء الأعراس. كان ذلك صوت ميمون الوجدي؛ فتى لم يغن للحب وحده، بل غنى للوطن الذي يسكن القلب، وللشجن الذي يسكن الروح. كان صوته نبض جيل كامل، فصنع لفن الراي مدرسة خالدة قبل أن يغدو “الملك” لقبا يتنازع عليه الآخرون.
لم تكن بدايات ميمون عابرة. ففي عام 1982، خرج بألبومه الأول “النار كدات”، ثم تبعته “تشطن خاطري” سنة 1984، ليضع أولى لبنات الراي المغربي الحديث. لم يكن مجرد ترديد لنغمات موجودة، بل كان بناء لهوية موسيقية جديدة، فيها من الشجن بقدر ما فيها من العناد. كان صوته يطرق باب كل قلب، يلامس جراح المهاجرين في الضفة الأخرى، ويمنح البسطاء في المقاهي لحظة عزاء موسيقي لا يشترى.
وحين يذكر “ملك الراي”، تتجه الأنظار إلى الشاب خالد، لكن الحقيقة أن ميمون بكوش الذي ولد عام 1953 والذي لقب لاحقا بميمون الوجدي كان الملك الأول، الملك الذي لم يتوج بالصحافة، بل بتصفيق الناس وحبهم. ولد خالد عام 1960 وسجل “طريق الليسي” عام 1974، لكن ذلك العمل ظل محدود الانتشار. في المقابل، جاء ميمون في مطلع الثمانينيات ليصنع حدثا فنيا مؤسسا، يجعل من الراي لغة وطنية، وينقله من الجهة الشرقية إلى قلب المغرب الكبير، بل إلى المهاجرين في فرنسا وبلجيكا وعبرهم إلى العالم. لم يكن يبحث عن العرش، بل كان يغني من أجل أن يعيش الناس مشاعرهم بصدق، وهذا ما جعله خالدا في الذاكرة.
أثر ميمون تجاوز فنه الشخصي ليصير مدرسة لغيره. الشاب حسني وجد نفسه يعيد بصوته مقاطع من “الغربة”، والشاب بلال اختار في بداياته تقليد أغاني ميمون قبل أن يشتهر، وحتى الشاب خالد كان يؤدي في وهران مقاطع مستوحاة من أغاني ميمون. لم يكن ذلك تقليدا بقدر ما كان اعترافا غير معلن بأن ميمون هو الأصل، وأن الراي لما وصل لاحقا إلى العالمية، كان قد مر أولا من صوته، هناك بحي “الجاكسن” بوجدة.
الباحث الموسيقي المغربي الحسن الشعبي أكد سنة 2005 أن “ميمون الوجدي هو أول من طور الراي المغربي من مجرد غناء بدوي إلى قالب حضري حديث، سبق فيه خالد بسنوات.” وكتب الصحفي الفرنسي جان بيار سيمون، الذي غطى بدايات الراي في الثمانينيات، أن “خالد وجد في تجربة ميمون مرجعا، لقد كان صوته العاطفي هو البوصلة التي وجهت جيلا كاملا من فناني المغرب والجزائر.” وحتى الشاب بلال نفسه لم يخف إعجابه، حين صرح في حوار إذاعي: “ميمون الوجدي كان الأستاذ، نحن جئنا بعده لنكمل المسار.”
أغاني ميمون لم تكن مجرد ألحان تردد في الأعراس أو على الراديو. كانت مرآة صافية لحياة الناس. في “الشدة ما تدوم”، منح الأمل لكل من يواجه الصعاب. في “مرجانة” رسم صورة للحب العابر للزمان. في “غربة بلا ونيس”، لامس جرح آلاف المهاجرين الذين حملوا قلوبهم على أكتافهم. وحين غنى “أنا ما نوليش”، كان يعكس حيرة جيل المغتربين بأكمله بين البقاء والعودة للوطن. كان صوته قويا مثقلا بالمعاني، كأنه يخرج من قلب الناس ليعود إليهم.
وحين اقترب الرحيل عام 2018، لم يختر أن يودع جمهوره بكلمات مباشرة، بل ترك لهم أغنية “منمشيش منمشيش معاك”، التي تحولت بعد وفاته إلى “وصية.” كان وكأنه يقاوم النهاية، يردد بإصرار أنه باق، لا بالجسد ولكن بالصوت. واليوم، حين تسمع تلك الكلمات، يشعر المستمع أنه لم يرحل فعلا، وأنه ما زال يجلس هناك في مقهى وجدي بسيط، وكأنه يعزف على ٱلته ويبتسم للناس.
إن الحديث عن الأغنية المغربية الحديثة لا يمكن أن يكتمل دون ميمون الوجدي. هو الرجل الذي عبر بالراي من المحلية إلى الوطنية، ليعبد الطريق لهذا الفن من خلال فنانين ٱخرين ليعبروا نحو العالمية. هو أيضا من قفز بالراي من الخصوصية إلى الذاكرة الجماعية. النقاد وصفوه بـ”المعلم الأول”، والجمهور اعتبره “الصوت الذي يشبهنا جميعا”. وبين النقد والحب الشعبي، بقي ميمون الوجدي شاهدا على زمن كامل، وصوتا للذين لم يجدوا من يعبر عنهم إلا بأغان صادقة.
ميمون الوجدي لم يكن مجرد فنان. كان مرآة جيله، وصوت غربته، ونبض أفراحه الصغيرة. رحل الجسد في عام 2018، لكن صوته يظل يتردد في الأعراس والمقاهي والبيوت. وكلما عادت “تشطن خاطري” أو “النار كدات” أو “غربة بلا ونيس” إلى الأذن، عاد ميمون حيا في الذاكرة. لأنه ببساطة لم يكن يغني لكي يعيش، بل غنى لكي يظل.



