
السفير 24
منذ مطلع صيف 2025، تكثفت حملة إعلامية تقودها بعض الصحف الفرنسية والإسبانية، في مقدمتها لوموند بباريس وإل كونفيدنسيال والإندبندينتي وإل إسبانيول بمدريد. هذه المقالات، التي قدمت على أنها تحقيقات استقصائية، اتضح أنها صيغت من نفس القلم وبنفس المقاربة، مما يؤكد وجود خلفية واحدة وراءها، حيث تلتقي جميعها عند سردية موحدة تزعم وجود صراع داخلي بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) والمديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED).
ورغم ما حاولت هذه المنابر تسويقه من تفاصيل بروتوكولية ومعطيات مجتزأة، فإن القراءة المتأنية تكشف أن الأمر يتعلق بحملة دعائية ممنهجة تستهدف صورة المؤسسات الأمنية المغربية، أكثر مما تسعى إلى إظهار حقائق موضوعية.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا هذا الإصرار على صناعة سردية “حرب الأجهزة” في المغرب؟ الجواب يكمن في السياق السياسي الإقليمي والدولي. فالمغرب عزز في السنوات الأخيرة موقعه كفاعل لا غنى عنه في قضايا مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وهو موقع معترف به من شركاء أساسيين كفرنسا وإسبانيا وبلجيكا والولايات المتحدة. هذا النجاح أقلق أطرافاً متعددة، من بينها لوبيات متضررة في باريس ومدريد، فضلاً عن الجزائر التي دأبت على التعبير عن عدائها الواضح، إضافة إلى بصمات خليجية ظهرت في بعض الحملات، خصوصاً من طرف الإمارات التي تسعى إلى التشويش على الأدوار المغربية المتنامية في محيطها الإقليمي.
على أرض الواقع، أظهرت الأجهزة المغربية، بقيادة عبد اللطيف حموشي على رأس المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ومحمد ياسين المنصوري على رأس المديرية العامة للدراسات والمستندات، انسجاماً واضحاً في العمل ونجاعة ميدانية أكسبتهما اعترافاً دولياً. ففي منطقة الساحل، وفرت الاستخبارات المغربية معلومات دقيقة مكنت القوات النيجرية من تصفية إبراهيم مامادو، زعيم جماعة “بوكو حرام” في جزيرة شيلوا بديفا، وهي عملية عكست فعالية الجهاز الخارجي المغربي في دعم الحلفاء الإقليميين بمعلومات استراتيجية.
وعلى المستوى الأوروبي، سجلت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني نجاحات بارزة، من بينها المساهمة في توقيف شخصيات رئيسية من عالم الجريمة المنظمة بفرنسا مثل فيليكس بينغي، زعيم عصابة “يودا”، إضافة إلى تزويد الحرس المدني الإسباني بمعلومات أساسية مكنت من اعتراض سفينة “سكاي وايت” التي كانت محملة بثلاثة أطنان من الكوكايين. مثل هذه الوقائع تجسد ليس فقط كفاءة الجهاز المغربي، وإنما أيضاً حجم الثقة المتبادلة مع الأجهزة الأوروبية، التي باتت ترى في الرباط شريكاً لا يمكن تجاوزه.
إلى جانب البعد الأمني الصرف، برز المغرب كفاعل دبلوماسي موازٍ تحت إشراف مباشر من الملك محمد السادس، حيث قادت تدخلات سيادية إلى الإفراج عن أربعة عملاء فرنسيين احتجزوا في واغادوغو، ما أكد أن دور المملكة يتجاوز حدود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ليشمل الوساطة الاستراتيجية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
إن هذه النماذج من الإنجازات ليست سوى أمثلة محدودة من سجل أوسع بكثير، حيث راكمت الأجهزة المغربية على مدى عقود رصيداً من النجاحات التي لا يُكشف سوى عن جزء منها للرأي العام، فيما يظل الجزء الأكبر ضمن سرية العمل الاستخباراتي، الذي يقاس بفعاليته الميدانية واعتراف الشركاء الدوليين به. واللافت أن التنسيق بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للدراسات والمستندات لم يعد مقتصراً على حماية الأمن الوطني فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة أمنية إقليمية ودولية، من إحباط هجمات إرهابية في أوروبا إلى تفكيك شبكات تهريب عابرة للقارات، وصولاً إلى المساهمة في الوساطات الدبلوماسية المعقدة.
من هنا يتضح أن ما تروجه بعض المنابر الفرنسية والإسبانية لا يعكس واقعاً داخلياً، بقدر ما يجسد حرب سرديات تستهدف المغرب في لحظة صعوده الإقليمي والدولي. فالحديث عن صراع الأجهزة لا يستند إلى وقائع ملموسة، بل إلى محاولات دعائية تسعى إلى التشويش على صورة بلد أثبت فعاليته في المجال الأمني، وتحوّل إلى مرجع في محيطه الإقليمي. أما الحقيقة الثابتة فهي أن المؤسستين الأمنيتين، تحت قيادة حموشي والمنصوري، تشتغلان في انسجام واضح منذ أكثر من عقدين، في تكامل وظيفي بإشراف مباشر من الملك محمد السادس، ليؤكدا أن المغرب لا يعيش حرب أجهزة كما يروج في الخارج، بل يقدم نموذجاً أمنياً متماسكاً يحظى بثقة واعتراف دوليين متناميين.



