في الواجهةسياسة

برلمان مدريد يتطاول على الملك.. كفى ازدواجية ولتتحدث إسبانيا عن سبتة ومليلية المحتلتين !

برلمان مدريد يتطاول على الملك.. كفى ازدواجية ولتتحدث إسبانيا عن سبتة ومليلية المحتلتين !

REGION CASA SETTAT

السفير 24

مرة أخرى، اختار بعض السياسيين الإسبان طريق التصعيد والاستفزاز بدل لغة العقل والدبلوماسية، بعدما تحولت جلسة برلمانية خصصت لمناقشة أزمة الهجرة في سبتة إلى منصة لتوجيه انتقادات حادة للمغرب، وصلت لدى بعض النواب إلى الدعوة لقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المملكة، مع الزج باسم جلالة الملك محمد السادس في سجال سياسي لا يخدم لا إسبانيا ولا المغرب.

وإذا كان من حق أي برلماني إسباني أن ينتقد الحكومة المغربية أو يناقش سياسات بلاده الخارجية، فإن تحويل النقاش السياسي إلى تطاول على رمز الدولة المغربية وجلالة الملك محمد السادس نصره الله يتجاوز حدود الاختلاف السياسي ويمس مشاعر ملايين المغاربة. فالمغرب ليس دولة بلا مؤسسات، والملك ليس شخصية سياسية عابرة حتى يصبح اسمه مادة للمزايدات الحزبية داخل البرلمان الإسباني.

والأغرب أن بعض الأصوات الإسبانية تتعامل مع المغرب وكأن التاريخ بدأ بالأمس، متناسية أن العلاقات بين البلدين تحمل صفحات طويلة من الصراع والتدخل والاستعمار، وأن إسبانيا نفسها ما زالت تحتفظ بوجودها في مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين على التراب الإفريقي والمحاطتين جغرافيا بالمغرب. ومن المنظور المغربي، تظل المدينتان جزءا من التراب الوطني، وتبقى قضيتهما من الملفات التاريخية والسيادية التي لا يمكن طمسها بالصراخ البرلماني أو الخطابات الشعبوية. وقد جدد المغرب خلال الفترة الأخيرة مطالبته بفتح النقاش حول وضع المدينتين، في وقت ترفض فيه مدريد أي تفاوض بشأن سيادتهما.

فهل يحق لمن يرفض حتى مجرد فتح نقاش حول مستقبل سبتة ومليلية المحتلتين أن يقدم نفسه اليوم كمدافع عن احترام السيادة وحقوق الدول؟ وهل من المنطقي أن تتحدث بعض الأصوات في مدريد عن احترام الحدود، بينما تتجاهل أن المدينتين تشكلان جيوبا إسبانية على الساحل الشمالي لإفريقيا، وأن قضية وجودهما ظلت لعقود واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية؟

ثم إن إسبانيا، وهي تستعد لاستحقاقات سياسية وانتخابية داخلية، مطالبة أيضا بالنظر إلى بيتها الداخلي، بدل البحث الدائم عن شماعة مغربية لتعليق أزماتها عليها. فأحداث سبتة الأخيرة نفسها كشفت حجم الارتباك السياسي والأمني الذي واجهته السلطات الإسبانية، بعدما دخل عشرات الآلاف إلى المدينة المحتلة خلال فترة وجيزة، وسط تضارب في الروايات والاتهامات، قبل أن يؤكد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام البرلمان عدم وجود دليل ملموس على أن السلطات المغربية دبرت تلك العملية.

وبدل أن ينشغل بعض النواب الإسبان بمراجعة أخطاء حكومتهم، وبحث الأسئلة الحقيقية التي فرضتها أزمة سبتة المحتلة ، اختاروا توجيه سهامهم نحو المغرب، وتحويل المملكة إلى مادة للمزايدات السياسية. لكن عليهم أن يدركوا أن المغرب اليوم ليس مغرب الأمس، وأن زمن الوصاية والتعالي قد ولى إلى غير رجعة. فالمملكة تتعامل مع إسبانيا من موقع الندية، وتؤمن بعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على التبعية أو الخضوع. ومن أراد شراكة حقيقية مع المغرب، فعليه أولا أن يتعلم احترام سيادته ورموزه الوطنية ومشاعر شعبه.

أما جلالة الملك محمد السادس، فإن مكانته داخل المغرب لا تحتاج إلى شهادة من برلمان أجنبي ولا إلى تزكية من حزب إسباني. فهو ملك المملكة المغربية ورمز وحدتها وسيادتها، وأي إساءة إليه لن تكون مجرد خلاف عابر بين حكومتين، وإنما ستفهم داخل المغرب باعتبارها إساءة إلى مشاعر المغاربة وإلى مؤسسة تحظى بمكانة مركزية في الدولة.

وإذا كانت بعض الأصوات الإسبانية تريد فتح معركة سياسية مع المغرب، فعليها أولا أن تكون مستعدة لسماع الأسئلة المقابلة: ماذا عن سبتة ومليلية؟ ماذا عن الإرث الاستعماري الإسباني في شمال المغرب؟ وماذا عن حق المغاربة في طرح ملف المدينتين بالحوار والطرق السلمية والدبلوماسية؟

المغرب لا يبحث عن العداء مع إسبانيا، بل عن علاقة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وحسن الجوار. لكن الاحترام لا يمكن أن يكون من طرف واحد، والسيادة لا يمكن أن تكون مبدأ عندما يتعلق الأمر بإسبانيا، ثم تتحول إلى وجهة نظر عندما يتعلق الأمر بالمغرب.

لقد انتهى زمن الخطابات الاستعمارية، حتى وإن بقيت بعض العقليات أسيرة لها. ومن أراد أن يبني جسورا مع المغرب، فليتحدث بلغة القرن الحادي والعشرين؛ أما من يريد استفزاز المغاربة والتطاول على ملكهم وبلدهم، فعليه أن يتذكر أن للمغرب تاريخا وسيادة وذاكرة وطنية، وأن سبتة ومليلية المحتلتين ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، بل قضيتان حاضرتان في الوعي الوطني المغربي.

وفي النهاية، فإن أقوى رد على الاستفزاز ليس الصراخ ولا الانفعال، وإنما التمسك بالثوابت الوطنية، والدفاع عن صورة المغرب ومصالحه بالحجة والدبلوماسية والقانون، مع التأكيد أن كرامة المملكة ورموزها الوطنية ليست مجالا للمساومة أو المزايدة السياسية.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى