في الواجهةسياسة

عابد بادل.. حين يخاف الخصوم من الصندوق فيلجؤون إلى التشويه

عابد بادل.. حين يخاف الخصوم من الصندوق فيلجؤون إلى التشويه

REGION CASA SETTAT

السفير 24

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية بإقليم برشيد، يبدو أن بعض الخصوم السياسيين اختاروا، بدل مواجهة الأسماء القوية بالبرامج والحصيلة والمشاريع، اللجوء إلى أسلوب قديم يتجدد مع كل موسم انتخابي: ضرب السمعة قبل ضرب المنافس في صناديق الاقتراع. وفي مقدمة الأسماء التي أصبحت في مرمى هذا النوع من الحملات، يبرز اسم المستشار البرلماني عابد بادل، الذي وجد نفسه موضوعا لسيل من المعطيات والادعاءات التي يتم تداولها على نطاق واسع، دون أن تكون، إلى حدود الساعة، قد تحولت إلى وقائع ثابتة بموجب حكم قضائي أو قرار رسمي يثبت ما ينسب إليه.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحا هنا ليس فقط ماذا قيل عن عابد بادل، وإنما لماذا قيل الآن؟ ولماذا بهذا التوقيت تحديدا؟ فالانتخابات على الأبواب، وموازين القوى داخل إقليم برشيد بدأت تتحرك، وبعض الأسماء أصبحت تحسب لها حسابات جدية، وهو ما يجعل استهدافها إعلاميا وسياسيا قبل موعد الاقتراع أمرا لا يمكن فصله عن سياق التنافس الانتخابي المحتدم.

فحين تصبح عائلة سياسية واجتماعية حاضرة بقوة في أكثر من موقع، وحين ينجح أفراد منها في بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل الإقليم، فمن الطبيعي أن تصبح مصدر إزعاج لبعض المنافسين. غير أن الإزعاج السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى رغبة في إسقاط الخصم بأي وسيلة، لأن الناخب البرشيدي ليس ساذجا، ويميز جيدا بين النقد السياسي المسؤول وبين الحملات التي تنبعث رائحتها الانتخابية من بعيد.

وقد طفت إلى السطح مؤخرا ادعاءات تتحدث عن استفادة عابد بادل من دعم عمومي في إطار عملية استيراد الأغنام، مع ربط ذلك بعضويته بمجلس المستشارين ومهمته داخل لجنة المالية. لكن أين هي الوثيقة الرسمية التي تثبت وجود مخالفة؟ وأين هو الحكم القضائي الذي يدين الرجل؟ وأين هي الجهة المختصة التي خلصت إلى وجود استفادة غير قانونية؟

لا شيء من ذلك، وفق ما هو متاح إلى حدود الساعة.

ومن هنا، فإن تحويل مجرد معطيات أو ادعاءات متداولة إلى “إدانة إعلامية” يمثل قفزة خطيرة على أبسط قواعد العمل الصحفي والقانوني. فالصحافة المهنية لا تصنع الأحكام، ولا تستبدل القضاء، ولا تحول الشبهة إلى إدانة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية تستعد لخوض معركة انتخابية.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذه الحملة تأتي في وقت يعرف فيه إقليم برشيد إعادة ترتيب واضحة لخارطة النفوذ السياسي، وهو ما يجعل من المشروع طرح سؤال حول المستفيد من ضرب صورة عابد بادل في هذه المرحلة بالذات. فالسياسة ليست دائما بريئة من الحسابات، والانتخابات ليست فقط صناديق اقتراع، بل تبدأ أحيانا قبل ذلك بكثير، بمحاولات رفع أسهم هذا وإضعاف صورة ذاك.

أما عابد بادل، فبعيدا عن كل الحسابات، فهو ليس اسما مجهولا داخل الإقليم. الرجل راكم حضورا سياسيا واجتماعيا، ونسج علاقات مباشرة مع عدد من أبناء المنطقة، ويعرفه كثير من المواطنين من خلال حضوره في المناسبات الاجتماعية وتواصله مع الساكنة. ومن يعرف الرجل عن قرب يتحدث عن شخص يميل إلى البساطة في تعامله، وقريب من الناس، ولا يتعامل مع المواطن بمنطق المسؤول المتعالي الذي لا يرى إلا في المناسبات الانتخابية.

وهنا بالضبط تكمن أهمية التفريق بين الصورة التي يحاول البعض رسمها على مواقع التواصل، والصورة التي يعرفها الناس على أرض الواقع. فالانتخابات لا تحسم دائما بالمنشورات والوسوم، وإنما تحسم عندما يفتح الصندوق أبوابه ويضع المواطن ورقته بداخله.

كما أن الحديث عن علاقات عابد بادل السياسية السابقة، وربط اسمه بوزير الثقافة السابق محمد مهدي بنسعيد في سياق شركة “نيو موتورز”، أو الإشارة إلى دوره في استقطاب أسماء سياسية نحو حزب الأصالة والمعاصرة، لا يمكن تقديمه تلقائيا باعتباره دليلا على وجود مخالفة. فالعلاقات السياسية والاقتصادية، متى كانت معلنة وقانونية، لا تشكل في حد ذاتها جريمة، ولا يجوز تحويل مجرد معرفة أو شراكة أو وساطة سياسية إلى قرينة إدانة دون أدلة واضحة.

بل إن المفارقة أن خصوم الرجل، بدل أن يواجهوا حضوره بحصيلة مضادة أو بمرشح أقوى أو بمشروع أكثر إقناعا، يبدو أنهم اختاروا الطريق الأسهل: إشعال معركة حول الرجل بدل مناقشة ما قدمه وما يمكن أن يقدمه.

وهذه ليست أول مرة يعرف فيها المشهد السياسي مثل هذه الأساليب. فكلما اقتربت الانتخابات، ظهرت ملفات قديمة، وأعيد تدوير قصص منسية، وانتشرت اتهامات عبر مواقع التواصل، ثم يتم تقديمها للرأي العام كما لو أنها أحكام نهائية. غير أن الخطير في هذه الممارسة أنها لا تستهدف شخصا بعينه فقط، وإنما تستهدف حق المواطن في الحصول على معلومة دقيقة ونزيهة.

فإذا كان لدى أي طرف وثائق تدين عابد بادل، فليقدمها، وليضعها أمام الجهات المختصة، وليتحمل مسؤولية ما ينشره. أما إطلاق الاتهامات في الفضاء الرقمي، ثم مطالبة الناس باعتبارها حقائق، فليس شجاعة سياسية، وإنما هروب من المواجهة الحقيقية.

والأهم أن عابد بادل، باعتباره شخصية عمومية، يظل من حقه الطبيعي أن تناقش مواقفه ومساره في إطار النقد السياسي المسؤول، غير أن ذلك لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لإطلاق اتهامات غير مثبتة أو تقديم ادعاءات للرأي العام كما لو أنها حقائق نهائية. فالأصل في مثل هذه القضايا هو الدليل والوثيقة والجهة المختصة، لا التلميح والتأويل وتدوير المعطيات في سياق انتخابي.

ومن حق عابد بادل، كما هو من حق أي مواطن، أن يتمتع بقرينة البراءة وأن تصان سمعته من حملات التشويه إلى أن يثبت العكس بوسائل قانونية واضحة. أما تحويل كل ادعاء إلى إدانة جاهزة، خصوصا في خضم الاستعدادات الانتخابية، فلا يخدم الحقيقة ولا الديمقراطية، بقدر ما يثير تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذه الحملة وتوقيتها والجهات المستفيدة منها.

فالخصومة السياسية لها قواعد، والمنافسة الانتخابية لها أخلاق، والصحافة لها مسؤولية، والقضاء وحده يملك الكلمة الفصل عندما يتعلق الأمر بالجرائم والمخالفات.

ومن الواضح أن قوة عائلة بادل وحضورها المتنامي داخل إقليم برشيد أصبحا جزءا من معادلة سياسية جديدة، وهو ما قد يفسر حجم التوتر المحيط ببعض أسمائها. لكن إذا كان عابد بادل قويا انتخابيا، فليتم إسقاطه بالصندوق، وإذا كان ضعيفا فليتركوه يواجه الناخبين، وإذا كانت هناك حصيلة سلبية فليقدموا للرأي العام حصيلة أفضل.
أما أن تتحول الانتخابات إلى حملة منظمة لتكسير السمعة، فذلك لا يخدم الديمقراطية ولا برشيد ولا ساكنتها.

وفي النهاية، يبقى السؤال موجها إلى خصوم عابد بادل قبل غيرهم: هل تملكون ما يكفي من الحجج والبرامج لمواجهته، أم أنكم تحتاجون إلى حملات التشويه لأنكم تخشون مواجهته أمام الناخبين؟

فالمواطن البرشيدي يستحق انتخابات نظيفة، ومنافسة شريفة، وبرامج واضحة، وليس حربا إعلامية تقوم على الاتهامات غير المحسومة.

وعابد بادل، كغيره من السياسيين، ليس فوق النقد والمساءلة، لكنه أيضا ليس تحت رحمة حملات التشويه. ومن يملك دليلا فليقدمه، ومن يملك برنامجا فليعرضه، ومن يعتقد أن الرجل فقد شعبيته فليترك الحكم لصندوق الاقتراع.

أما إصدار الأحكام قبل الأدلة، فليس ديمقراطية.. والانتخابات لا تربح بتكسير الخصوم، وإنما بإقناع المواطنين.

 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى