
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في قلب مدينة وجدة العتيقة، ولد عام 1968 طفل كان مقدرا له أن يكتب اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الرياضة العالمية. لم يكن عبد اللطيف بنعزي مجرد لاعب ركبي، بل أصبح رمزا للفخر الرياضي، وجسرا يربط بين ثقافتين، وقصة نجاح استثنائية لمهاجر حول شغفه إلى أسطورة.
من شوارع وجدة إلى الملاعب الأوروبية
بدأت رحلة بنعزي في نادي الاتحاد الرياضي الوجدي، حيث لم تكن رياضة الركبي مجرد هواية، بل كانت مدرسة في الحياة. تعلم فيها قيما أساسية كالعمل الجماعي، والانتماء، والتفاني. هذه القيم هي التي صنعت منه شخصية قيادية لا تنسى. في نهاية الثمانينيات، شد الرحال إلى فرنسا، وانضم إلى نادي كاهور (Cahors) عام 1988. هناك، لم يضيع وقتا لإثبات نفسه، فبنيته الجسدية القوية وطوله البالغ 198 سنتيمترا ومهاراته الاستثنائية أهلته ليصبح أفضل مسجل محاولات في دوري الدرجة الثانية. كان ذلك مجرد الفصل الأول في كتاب مجده.
قائد “الزرق” ومحطم الأرقام
في عام 1989، انتقل بنعزي إلى نادي SU Agen العريق، حيث قضى أكثر من عقد ليصبح أحد أبرز أعمدته. لكن لحظة المجد الحقيقية جاءت في 9 يونيو 1990، عندما ارتدى قميص المنتخب الفرنسي لأول مرة أمام أستراليا. ورغم أن أول ظهور له انتهى بالطرد، إلا أنه كان إعلانا عن بداية مسيرة دولية ملحمية استمرت 11 عاما.
خاض بنعزي 78 مباراة دولية مع منتخب “الزرق”، قاد خلالها الفريق في العديد من المباريات. شارك في ثلاث نسخ من كأس العالم، وقاد فرنسا لتحقيق إنجاز تاريخي عام 1997 بفوزها بالـ “Grand Slam” في بطولة الأمم الست. كان هذا الإنجاز تتويجا لمسيرة حافلة، ووضع اسمه ضمن نخبة أساطير الركبي الأوروبي.
رمز اجتماعي وقائد خارج الملاعب
لم يكن بنعزي لاعبا فحسب، بل كان نموذجا يحتذى به. المهاجر المغربي الذي اندمج بشكل كامل في المجتمع الفرنسي، وأصبح سفيرا لثقافته. وقد حظي بتقدير كبير من المغفور له الملك الحسن الثاني، الذي وصفه بأنه “النموذج الناجح لاندماج المهاجر المغربي”، وهو اعتراف يختزل مسيرة مليئة بالإنجازات والالتزام.
بعد اعتزاله اللعب، ظل بنعزي قريبا من اللعبة التي عشقها. ففي عام 2023، انتخب نائبا لرئيس الاتحاد الفرنسي للركبي، وقاد حملة قوية لرئاسة الاتحاد الدولي للركبي (World Rugby). ورغم خسارته بفارق ضئيل، إلا أنه عاد أقوى من ذي قبل، فتم انتخابه رئيسا للجنة Six Nations في مارس 2025. هذه المناصب لم تكن سوى تأكيد على مكانته كأحد أبرز القادة الاستراتيجيين في عالم الركبي.
إرث متجذر في المغرب
على الرغم من نجاحه العالمي، لم ينس بنعزي أبدا جذوره. فقد ساهم في بناء ملعب الركبي البلدي في وجدة، ليؤكد أنه لا يزال الجسر الحي بين المغرب وفرنسا. كما يترأس جمعية “نور” (Noor Association)، التي تسعى لتمكين الشباب عبر الرياضة، مجسدا بذلك إيمانه العميق بدور الرياضة كأداة للاندماج، والدبلوماسية، وتعزيز القيم الإنسانية.
اليوم، ينظر إلى عبد اللطيف بنعزي ليس كقائد سابق فقط، بل كرمز حي لرحلة رجل من الجيل الأول من المهاجرين حطّم الحواجز، وبنى جسورا بين الثقافات. إنه “الأسد العملاق المغربي” الذي ألهم و لا يزال يلهم كل شاب يحلم بتحقيق المستحيل.



