في الواجهةمجتمع

اختلالات في تدبير جامعة الحسن الثاني تثير استياء أكاديمياً وطلابياً

اختلالات في تدبير جامعة الحسن الثاني تثير استياء أكاديمياً وطلابياً

le patrice

السفير 24

تعيش جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إحدى أكبر المؤسسات الجامعية في المغرب من حيث عدد الطلبة وتنوع الشعب والمسالك، وضعاً مقلقاً يثير الكثير من علامات الاستفهام حول فعالية التدبير الجامعي، وتحديداً على مستوى الرئاسة. فقد أضحى واقع الجامعة عنواناً لأزمة بنيوية عميقة، تتجلى في تعثر تنفيذ المشاريع الهيكلية، اختلالات على مستوى التدبير المالي، وتزايد التوتر داخل بعض المؤسسات التابعة، ما يُسائل بجدية نهج الحوكمة المتبع، ويطرح علامات استفهام حول مدى الالتزام بمبادئ المسؤولية والمحاسبة التي نص عليها الدستور المغربي في فصله الأول، وكذا الفصل 154 المتعلق بتدبير المرافق العمومية على أسس الشفافية والجودة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن أبرز مظاهر الخلل التي تؤرق مكونات الجامعة، البطء الشديد في تنفيذ مشاريع مهيكلة كان يُفترض أن تُنجز في آجال معقولة لتعزيز جودة التكوين والبحث العلمي. فقد ظل مشروع إعادة تأهيل البنيات التحتية بعدد من الكليات، لا سيما تلك الواقعة في بن مسيك، عين السبع وعين الشق…الخ، رهين الوعود والتصريحات منذ سنوات دون أن يترجم على الأرض. فقاعات تدريس متهالكة، وبنيات صحية غير صالحة، ومكتبات تفتقر للتحديث، ومختبرات تعاني من نقص فادح في المعدات، كلها مؤشرات تعكس تأخراً واضحاً في تنزيل البرامج الاستثمارية التي رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة ضمن ميزانية الجامعة، بل وضمن المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.

وفي المقابل، يتهم عدد من الفاعلين النقابيين والإداريين رئاسة الجامعة بتكريس منطق التدبير الأحادي، واستبعاد المقاربة التشاركية التي يفرضها النظام الداخلي لمجالس الجامعات. إذ يتم اتخاذ قرارات ذات طابع مالي وإداري دون إشراك فعلي لمجالس المؤسسات أو اللجان البيداغوجية، ما أدى إلى حالة من التذمر والاحتقان، خاصة في صفوف الأساتذة الباحثين، الذين يرون أن الجامعة أصبحت تدار بمنطق بيروقراطي يفتقر إلى الشفافية والفعالية. كما أن بعض الكليات تعاني من خصاص حاد في الميزانية التشغيلية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للطلبة، من تأطير وتقييم وتوفير الوسائل البيداغوجية.

وتثير الطريقة التي تُصرف بها ميزانية الجامعة تساؤلات متكررة، خصوصاً في ظل التفاوت الكبير بين المؤسسات التابعة، حيث تُرصد اعتمادات هامة لبعض المشاريع الإدارية أو الأنشطة العرضية، في حين يتم تأجيل أو تجميد أخرى ذات طابع أكاديمي أساسي، كبرامج دعم البحث العلمي، وتأهيل مرافق الإقامة الجامعية، أو اقتناء معدات مخبرية أو اصلاح قاعات تدريس علي وشك الكارثة. هذا التفاوت، غير المبرر من حيث الأولويات، يُنذر بتعميق الفوارق داخل الجامعة نفسها، ويقوّض مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلبة والأساتذة من كلية إلى أخرى.

إلى جانب ذلك، تعرف الحياة الجامعية اضطراباً واضحاً ناتجاً عن التأخر المزمن في الإعلان عن النتائج، والارتباك في الجدولة الزمنية للدروس والامتحانات، ما يشكّل ضغطاً نفسياً على الطلبة، ويقوض شروط التحصيل العلمي السليم. كما أن ضعف التواصل بين الإدارة الجامعية والمكونات الداخلية يفتح المجال أمام الإشاعات والتأويلات، ويؤدي إلى توتر العلاقات بين الطلبة والإدارات، وقد سجّلت بعض الكليات، في السنوات الأخيرة، سلسلة من الوقفات الاحتجاجية للطلبة احتجاجاً على ظروف التكوين، وتدبير الشؤون البيداغوجية.

ولا يمكن فصل هذه المظاهر عن الإطار القانوني العام الذي يؤطر عمل رؤساء الجامعات، خاصة أن المرسوم رقم 2.01.2325 الصادر في 4 يونيو 2002، المتعلق بتحديد اختصاصات رؤساء الجامعات، يلزمهم بإعداد وتتبع تنفيذ البرامج التربوية والإدارية والمالية للجامعة، ومراقبة سير المؤسسات التابعة لها. وبالتالي، فإن أي إخلال في هذه المهام، سواء على مستوى التخطيط أو الإنجاز أو المراقبة، يعتبر تجاوزاً لمقتضيات تنظيمية وإدارية صريحة.

هذا، ويبقى استمرار هذا الوضع دون تدخل حاسم من طرف الوزارة الوصية أو من قبل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بمثابة تعطيل فعلي لمسار إصلاح منظومة التعليم العالي، كما أنه لا ينسجم مع التوجيهات الملكية التي تؤكد على ضرورة انفتاح الجامعة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي، وتمكينها من لعب دورها المحوري في تكوين الرأسمال البشري وبناء مجتمع المعرفة.

ورغم انخراط المغرب في تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17، الذي يهدف إلى تعزيز حكامة القطاع وربط الأداء بالنجاعة، فإن الممارسات التدبيرية الراهنة بجامعة الحسن الثاني ما تزال بعيدة عن هذه الأهداف، مما يفرض مراجعة جذرية لآليات التسيير والتخطيط داخل الجامعة، مع تفعيل أجهزة المراقبة والتتبع، وتحميل المسؤولية لمن يثبت تقصيره أو تسببه في عرقلة المشاريع ذات البعد الاستراتيجي، حفاظًا على مكانة الجامعة العمومية كقاطرة للتنمية المستدامة والعدالة المجالية.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى