
السفير 24
في خضم التغييرات الإدارية التي طالت عدداً من الأطر والموظفين العاملين بالمنطقة الأمنية لمدينة المحمدية، تلوح في الأفق إشارات قوية تدعو إلى التفاؤل والثقة في السياسة الإصلاحية التي يقودها السيد عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني، باعتباره أحد أبرز مهندسي التحول المؤسساتي في بنية الأمن العمومي ببلادنا.
فهذه التنقلات لا يمكن قراءتها كمجرد حركية إدارية دورية، بقدر ما تمثل لبنة في مشروع شمولي يروم إعادة هيكلة المنظومة الأمنية على أسس مهنية متجددة، ووفق رؤية دقيقة تضع المواطن في صلب الانشغال وتؤمن بأن الكفاءة هي معيار التموقع والمسؤولية.
لقد أضحى واضحاً أن التكوين المستمر يشكل حجر الزاوية في مقاربة المديرية العامة للأمن الوطني للرفع من الأداء المهني لأفراد الجهاز، ليس فقط بوصفه وسيلة لتقوية القدرات، بل كآلية إصلاحية تصحح ما قد تبرزه تقارير المفتشية العامة من اختلالات ميدانية أو ممارسات غير منضبطة.
ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد سياسة تكوينية متواصلة تساير التطورات المجتمعية والتقنية، يعد أحد مظاهر نضج المؤسسة الأمنية المغربية، ويعكس وعياً متقدماً بأهمية الرأسمال البشري في تحقيق الأمن بمفهومه الشامل، لا في بعده الزجري وحده.
غير أن الحاجة اليوم تمس، وبإلحاح، إلى استحضار طاقات أخرى لم تُستنفد بعد، تلك المتمثلة في الأطر الأمنية المتقاعدة التي راكمت من التجارب والمعرفة الميدانية ما لا توفره المقررات الأكاديمية أو المناهج التدريبية الحديثة. فهؤلاء يشكلون ذاكرة حية للعمل الشرطي، وخزاناً من الخبرات التي ينبغي استثمارها ضمن منظومة التكوين والإرشاد والتوجيه، سواء من خلال مساهماتهم في الولايات والمناطق الأمنية وكذا مفوضيات الشرطة، أو عبر تعيينهم مستشارين مؤقتين في مجالات تخصصهم.
وما يعزز هذا المقترح أن هؤلاء المتقاعدين، بحكم تفرغهم واستقلالهم عن منطق التدبير اليومي، قادرون على الاضطلاع بأدوار جوهرية في التكوين والتأطير، بما يضمن تجنب الأخطاء المهنية المتكررة، وتحقيق توازن فعال بين الخبرة الميدانية والاحترافية الحديثة.
وليس خافياً أن دولاً عديدة سبقتنا في هذا الباب، فمكنت رجالها المتقاعدين من أداء أدوار محورية في تدريب الأجيال الجديدة، مستفيدة من تراكمهم ومن معرفتهم الدقيقة بالخريطة الأمنية في تنوعها وتعقيدها.
التحولات التي يقودها السيد عبد اللطيف حموشي لا تقف عند حدود البناء الإداري، بل تشمل تجديد الخطاب الأمني، وتعزيز العلاقة مع المواطن، وتحويل رجل الأمن من مجرد منفذ للقانون إلى فاعل تربوي ووسيط اجتماعي، يجسد صورة الدولة في الشارع ويحظى بثقة المجتمع.
وهذا التحول يتطلب جهداً متواصلاً في التكوين، وانفتاحاً مؤسسياً على تجارب المتقاعدين، وحرصاً على إدماج القيم الأخلاقية والاحترافية في كل المسارات المهنية.
وإذا كانت مدينة المحمدية قد شهدت في الآونة الأخيرة تغييرات جوهرية مست كفاءات بشرية فاعلة في المنظومة الأمنية المحلية، فإن الرهان الأكبر يظل في مواكبة هذه التغييرات بتدبير عقلاني للرأسمال البشري، يقوم على التحفيز والاستفادة من الكفاءات، مع صيانة الذاكرة المهنية وإشراك من خدموا الوطن في مواقعهم السابقة، حتى يستمر العطاء الأمني دون انقطاع.
في النهاية، فإننا نتطلع، بثقة ومسؤولية، إلى أن تترجم هذه الدينامية إلى أثر ملموس على مستوى جودة الخدمة الأمنية المقدمة للمواطن، في إطار من الالتزام المهني، والانضباط الأخلاقي، والانفتاح المؤسساتي، تحت الإشراف الفعلي للسيد عبد اللطيف حموشي، الذي أثبت أن الإصلاح الأمني ممكن متى توفرت الإرادة، وخلصت النوايا، وحضر الإيمان الراسخ بخدمة الوطن والمواطن.



