
السفير 24
تشهد منظومة التعليم العالي بالمغرب لحظة فارقة تستدعي إعادة تقييم جذرية لنظامي الماستر والدكتوراه، بعد تواتر عدد من الإشكالات البنيوية التي طفت إلى السطح، في مقدمتها ظاهرة “بيع الشهادات” التي هزت الرأي العام الجامعي مؤخراً.
وفي هذا السياق، تعالت أصوات أكاديمية وطلابية تدعو الوزير عز الدين ميداوي إلى مراجعة النظام المعمول به حالياً والعودة إلى النموذج القديم، الذي كان يتسم بمزيد من الصرامة والوضوح، خاصة فيما يخص الولوج إلى سلك الماستر وشروطه.
ومن جهة أخرى، بات من الضروري توسيع نطاق الإصلاح ليشمل محاربة الغش في الامتحانات، حيث يرى عدد من المتابعين أن التنسيق مع شركات الاتصال من أجل قطع شبكات الإنترنت داخل الكليات خلال فترات الامتحانات يُعد خطوة عملية ومؤثرة.
فالتطور التكنولوجي السريع مكّن البعض من اعتماد وسائل متطورة للغش، ما يستدعي بدوره استجابة ذكية من طرف الوزارة والمؤسسات الجامعية، لا تقف عند التوعية بل تشمل كذلك إجراءات تقنية رادعة.
لكن، ومن باب الإنصاف، لا بد من التأكيد على أن واقعة الأستاذ المتابع قضائيًا في قضية بيع شهادات الماستر، وإن كانت خطيرة ومرفوضة، فإنها تبقى حالة شاذة لا يمكن تعميمها على أكثر من 35 ألف أستاذ جامعي يشتغلون في الجامعات المغربية.
هؤلاء، رغم محدودية الموارد وتزايد عدد الطلبة، يُصرّون على أداء واجبهم الأكاديمي والتكويني بكل تفانٍ وضمير مهني. ولا يسع المتابع المنصف إلا أن يُثني على جهودهم اليومية داخل المدرجات والمختبرات والمراكز البحثية.
وعلاوة على ذلك، فإن العديد من عمداء الكليات ومسؤولي المؤسسات الجامعية أبانوا، خلال السنوات الأخيرة، عن روح عالية من المسؤولية والانخراط في أوراش الإصلاح، بل إن بعضهم أطلق مبادرات نوعية للرقابة الداخلية، وضبط مساطر الانتقاء والتسجيل، رغم ما يواجهونه من إكراهات مادية وبشرية.
وتأسيسًا على ذلك، فإن النقاش الجاري اليوم يجب أن يتحول من التركيز على الحالات الفردية المعزولة إلى ورش وطني شامل لإصلاح التعليم العالي، يوازن بين الحزم القانوني والدعم المؤسساتي للأساتذة والإدارات الجامعية.
كما يُنتظر من الوزارة الوصية أن تفتح حوارًا حقيقيًا مع مختلف مكونات الجامعة، من مجالس الشعب إلى الطلبة الباحثين، من أجل التأسيس لنظام ماستر ودكتوراه أكثر إنصافًا وشفافية ونجاعة.
وفي الختام، فإن مصداقية الجامعة المغربية لا تُبنى فقط بملاحقة مظاهر الفساد، بل كذلك بتثمين الجهود المبذولة ميدانيًا، وبتوفير مناخ مهني سليم يُعيد الثقة بين الفاعلين الجامعيين والمؤسسات الرسمية، ويجعل من التعليم العالي رافعة حقيقية للنمو والتنمية.



