
السفير 24
الكاتب المترجم محمد آيت لعميم، المقيم في مدينة مراكش، يسرد تفاصيل تجربته مع الزلزال عبر محكيات متداخلة: “قبل أسبوعين كنت أقضي عطلتي في الرباط، تواعدت وصديقي الناقد خالد بلقاسم في مقهى متحف الرباط للفنون، فتجاذبنا أطراف الحديث في مواضيع شتى، وطلب مني مقالة لمجلة “بيت الشعر”، فقلت له لدي نص قوي ترجمته تحت عنوان “خراب الخراب”. أعجب بالعنوان، وأضفت قائلاً إن المقالة تفتتح بجملة لجاك دريدا يقول فيها: “في البدء كان الخراب”. واستمر الحديث فأشرت إلى فكرة عنت لي من خلال المقالة، وهي أن الشعر العربي دشن القصيدة بعنصر يحيل إلى الخراب في مقدماته الطللية، وقلت له سأعيد قراءة هذه المقدمات من خلال هذه البدئية الخرابية. لم أكن أعرف أن هذا الحديث سيتحقق بعد مضي أسبوعين في تلك الليلة الرهيبة، التي لم يسبق لنا أن عشنا مثلها من قبل، على رغم أننا أدركنا زلزالاً في زمن السبعينيات في أيام عيد الأضحى، لكنه لم يكن بهذا العنف والرعب”.
كأن وحشاً أسطورياً انبعث من تحت الأرض، توقف ذهني، ونهضت مسرعاً، وجدتني في الضفة الأخرى من الشارع (أ ف ب) يصف صاحب “الروح القلقة والترحال الأبدي” اللحظات الأولى التي عاشها حين ضرب الزلزال مدينته: “إلى حدود الساعة الحادية عشرة ليلاً كانت الأجواء هادئة، قضيت اليوم في هناء وسرور، تلك الليلة، كنت في مقهى أقرأ في كتاب، مع العاشرة والربع، قمت من المقهى، وتوجهت إلى منزلنا في حي كاسطور، عند والدتي، دخلت المنزل وبعد قليل خرجت لأتناول عشائي في مطعم يوجد في الطابق الأرضي من منزلنا. كان الناس متحلقين وجالسين في المطعم، مع أبنائهم، فرحين والجو كان جميلاً. اقتعدت طاولة قرب الرصيف، أنتظر عشائي، بدأت في تناول كبد لذيذ. آخر لقمة وضعتها في فمي، لا أعرف إلى حدود الآن هل وصلت إلى فمي أم أرجعتها إلى الصحن، كان هاتفي على الطاولة، فسمعت صوتاً رهيباً، فاعتقدت أن طائرة ارتطمت ببيتنا، صوت وكأن وحشاً أسطورياً انبعث من تحت الأرض، توقف ذهني، ونهضت مسرعاً، وجدتني في الضفة الأخرى من الشارع، والتفت فوجدت الناس مذهولين. هناك من بقي في مكانه لا يعرف ما يفعل. بدأت أنظر إلى بيتنا والبيوت المجاورة تهتز وتترنح فأدركت أنه الزلزال”.
يواصل آيت لعميم: “مرت في ذهني أفكار سوداء، أمي في فراشها تستعد للنوم، كان معها أخي. اعتقدت أن آلة الغسيل اشتغلت، أخي عرف أنه الزلزال، فخطفها وخرج بها مسرعاً إلى الخارج. حين نهضت رحت أبحث عن مكان منعزل عن البيوت التي خشيت أن تنهار، وأنا أسرع الخطى على الإسفلت أحسست كأنني أمشي على سجاد متحرك، كدت أفقد توازني. ظل الصوت المرعب يتردد صداه في أذني، وشعرت كأنني في سكر. الغريب أنني اعتقدت أن الزلزال ضرب بيتنا والمنازل المجاورة، فاتصلت بأبنائي وزوجتي، كان الخط مقطوعاً، طلبت من أخي أن يوصلني إلى بيتي. في الطريق رأيت الناس مذعورين يفرون من منازلهم، إذاك فهمت أن الأمر أصاب الكل. حين وصلت إلى بيتي في حي سكوما، وجدت الناس متجمهرين، وكل يحكي قصته، والرعب الذي أصابه، وجدت ابنتيّ وقد خرجتا من المنزل، زوجتي كانت مع أسرتها في أحد المطاعم، وقد حكت لي في ما بعد الهول الذي عاشوه أثناء الهزة الأرضية العنيفة، حين انقطعت الكهرباء والناس تجري في اتجاهات مختلفة وصراخ الأطفال. كانت ليلة رهيبة، في ثوان معدودات تغيرت الأمور، كانت الرجة القوية سبباً في رجة نفسية وذهنية. في تلك الليلة لم نعد قادرين على الدخول إلى دفء المأوى، تحولت المنازل إلى أمكنة معادية، احتجنا إلى المبيت في العراء، ومن حسن حظي أن بيتي يوجد في ضيعة، أمامه هناك فراغات وشجر، بدأ سكان الحي وأناس من أحياء أخرى يتقاطرون على هذا المكان بأغطيتهم ليفترشوا الأرض تحت سماء بلا نجوم. بت الليلة في هذا المكان مع أسرتي، ثم فضلت أن أنام في سيارتي، لم نر النوم تلك الليلة”.
يضيف الناقد المغربي: “كانت الأخبار تأتي تباعاً عن طبيعة الزلزال وقوته، وعن بؤرته في منطقة جبلية، هي التي تضررت في شكل كبير. هناك ضحايا وشهداء وجرحى ومصابون كثر. كنت أتابع لحظات ما خلف الزلزال، وبكيت على ضحاياه. وبكيت لما شاهدت في فيديو صومعة الكتبية في المسجد الموحدي القديم تترنح يميناً وشمالاً. ليلة رهيبة. تذكرت الآية “وترى الناس سكارى وما هم بسكارى”. ليلة جعلتني أتامل في وجود الإنسان الذي يعيش على حافة الخطر، وأنشدت في خاطري “إنما الناس سطور كتبت لكن بماء”. هناك هشاشة في الوجود، يمكن أن يطوى في أي لحظة ومن دون إنذار. إذا كانت الكوارث في ظاهرها نقمة، فيبدو أنها تنطوي على شيء قد يعود بالإيجاب. أعجبني تضامن الشعب، والجوهر النقي للنفوس التي هبت للإنقاذ والمساعدة، وهذا أمر إيجابي أن يهب الإنسان لإنقاذ الإنسان. وخلاصة القول ها نحن في ظرف وجيز عشنا كارثتين، إحداهما ألزمتنا البيوت وأخرى أخرجتنا منها، فبين الحجر والهجر ستتغير نظرتنا إلى الوجود والعالم والعلاقات الاجتماعية واستخلاص دروس حقيقية من هذه العلامات القاسية”.



