
السفير 24 – بقلم: محمد تكناوي
لم تعد أزمة المدرسة المغربية أزمة برامج ومناهج فقط، لقد صارت أزمة معنى عميقة. ففي الوقت الذي ترفع فيه المدرسة شعار “التعليم قاطرة التنمية وبناء الإنسان”، يجيبها الشارع بلغة أخرى تماماً: قاصرون يرمون بأنفسهم في البحر نحو سبتة، و”مشاهير” التفاهة يُستقبلون استقبال الفاتحين، ومتسربون يمتلكون ما يعجز عنه المتفوقون. أمام هذا المشهد المتناقض يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل أصبح الخطاب المدرسي يتيماً، تائهاً بين خطابات تفرغه من قيمته وتسحب منه شرعيته؟
إن الخطاب المدرسي في جوهره خطاب قيمي واستراتيجي، وظيفته لا تقتصر على تلقين المعلومات بل تتجاوزها إلى بناء إنسان واع متشبع بروح المواطنة ومؤمن بأن العلم هو طريق الكرامة والتحرر والتنوير . غير أن هذه المهمة النبيلة تصطدم اليوم بجدار عال من الخطابات المضادة التي تبث بشكل مباشر أو خفي رسالة واحدة للتلميذ مفادها أن “النجاح ليس هنا، داخل هذه القاعة، بل له عناوين أخرى خارج أسوار المدرسة”. وقد تجاوز هذا الخطاب المضاد مرحلة الكلام ليتحول إلى سلوك جماعي، وأخطر تجلياته ما شهدناه مؤخراً في محاولة دخول المئات من الأطفال والقاصرين إلى مدينة سبتة سباحة وتسلقاً للسياج. هذه الواقعة لا يمكن اختزالها في “تهور مراهقين” لأنها في الحقيقة صرخة مدوية ورسالة واضحة تقول إن شريحة من الناشئة لم تعد ترى في المدرسة أي أفق. فعندما يصبح البحر بكل مخاطره طريقاً مرغوباً أكثر من مقاعد الدراسة، وعندما تتحول المغامرة غير النظامية إلى “حلم مشروع” في مخيلة الطفل، فهذا يعني أن المدرسة قد خسرت معركة الإقناع قبل أن تخسر معركة الأرقام والإحصائيات.
وما يزيد الطين بلة أن هذا الخطاب المضاد يجد يومياً ما يغذيه في واقعنا المعاش، فنرى فتاة تُقصى من برنامج غنائي تافه فتُستقبل في المطار بالورود والزغاريد، ونرى لاعب كرة ترك الدراسة في سن مبكرة يقود سيارة فاخرة صارت حديث الحي، ونرى شاباً عبر البحر وعاد بالمال فصار قدوة يُحتذى بها. في مقابل هذه النماذج “السريعة” ماذا تقدم المدرسة؟ تقدم وعوداً مؤجلة وشواهد لا تضمن بالضرورة منصب شغل، فينشأ لدى التلميذ إكراه نفسي خانق يدفعه إلى التساؤل المر: “ما جدوى كل هذا الجهد والوقت الضائع داخل القسم؟”
وتكتمل دائرة الإحباط حين يجد هذا الخطاب المضاد حاضنة له داخل بعض الأسر، فبدل أن تكون الأسرة السند الأول للمدرسة تحولت عند البعض إلى طرف ضاغط يدفع نحو المغادرة المبكرة بحثاً عن “أقصر طريق للرزق”، وصرنا نسمع عبارات مثل: “قرا ولا بلا قراية راه اللي بغا يوصل غادي يوصل”. وهكذا انقلبت المقولة التاريخية “العلم يحرص عليه أبناء الفقراء” رأساً على عقب، فأصبحنا أمام مفارقة طبقية قاسية: طبقة تبحث عن المال فتضحي بالتعليم، وطبقة أخرى واعية بأهمية المال تستثمره في تعليم أبنائها. الأولى تنتج خطاب العدمية والإحباط، والثانية تنتج خطاب الأمل والمستقبل.
إن حادثة سبتة يجب أن تُقرأ كجرس إنذار قوي وليس كخبر عابر، لأنها دليل على أن المعركة اليوم ليست معركة إصلاحات بيداغوجية أو تربوية تدبيرية إنها معركة خطاب بالدرجة الأولى. معركة إعادة الاعتبار للمدرسة كقيمة عليا في المجتمع لا كمجرد مرفق عمومي اجتماعي . فطالما ظل الخطاب المدرسي يتيماً محاصراً من الإعلام ومن الشارع ومن البيت أحياناً، فسنظل ننتج أجيالاً تؤمن بأن المستقبل يبدأ حيث ينتهي رصيف المدرسة… ويبدأ حيث يبدأ البحر.



