في الواجهةكتاب السفير

“الانفصال” و”الإرهاب”.. الزواج الممكن

"الانفصال" و"الإرهاب".. الزواج الممكن

* بقلم : عزيز لعويسي

قبل أيام، احتضنت مدينة مراكش الاجتماع الوزاري “للتحالف الدولي لهزيمة داعش”، الذي عرف مشاركة ممثلي أكثر من 80 دولة من أوربا وأمريكا وآسيا وإفريقيا، وحدتها التعبئة الشاملة والإرادة المشتركة في التصدي للخطر الإرهابي الذي لازالت تشكله مختلف التنظيمات والجماعات الإرهابية المتطرفة وفي طليعتها “داعش”، لما لهذا الإرهاب من تهديد لأمن واستقرار الدول وقتل للأبرياء، ومن كلفة تنموية وفاتورة اقتصادية.

وإذا كان هذا المؤتمر الدولي، قد شكل شهادة اعتراف دولي بالمغرب، كدولة رائدة على مستوى العالم في مجال محاربة الإرهاب والجرائم العابرة لحدود الدول والقارات، فقد كان مناسبة بالنسبة للرباط، لدق ناقوس الخطر وإثارة انتباه دول العالم وخاصة الدول المنخرطة في التحالف الدولي لهزيمة داعش، بحجم المخاطر الإرهابية التي تتهدد القارة الإفريقية بسبب الإرهاب الدولي، حيث سجلت القارة سنة 2021 ” نحو 48 بالمائة من الوفيات بسبب الإرهاب العالمي، ووصل عدد الضحايا إلى 3461 ضحية”، كما يوجد بها اليوم “27 كيانا إرهابيا متمركزا في إفريقيا على قائمة عقوبات مجلس الأمن للأمم المتحدة، باعتبارها جماعات إرهابية”، وذلك بناء على المعطيات التي أدلى بها ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي في أعقاب هذا المؤتمر الدولي.

ولا تتوقف محنة إفريقيا والأفارقة عند عتبة الكيانات الإرهابية التي تنتشر كالفطريات في منطقة الصحراء والساحل، بل وفي قدرة هذه الكيانات على “عقد القران” مع الجماعات الانفصالية والمليشيات المسلحة المتمركزة في المنطقة، وقد كشف وزير الخارجية المغربي بذات المناسبة أمام ممثلي الدول المشاركة، عن الصلات الوثيقة الرابطة بين “الانفصال” و”الإرهاب” بالقول “الانفصال والإرهاب .. وجهان لعملة واحدة”، وذلك اعتبارا ليس فقط، للغة المصالح المشتركة التي قد تجمع بين “دعاة الانفصال” و”صناع الإرهاب”، بل ولأن “الإرهاب الدولي” يرتوي من منابع “الانفصال” و”التمرد” و”الجريمة” و”الانحراف” و”الخروج عن سلطة القانون”.

وبما أن “مول الفز، تايقفز” كما يقول المثل الشعبي، فقد كانت تصريحات الوزير المغربي، كافية لإخراج الأعداء الخالدين من الجحر، ليعبروا بلغة يائسة فاقدة للبوصلة، عن مشاعر الغضب والاحتجاج، لا لشيء، سوى لأن المغرب ربط بين “الانفصال” و”الإرهاب” في مؤتمر دولي حول الإرهاب، دون أن يدركوا أن هذا الزواج المزعج، أقرت بشرعيته وواقعيته كل الدول المنخرطة في التحالف الدولي لهزيمة داعش، وهذا معناه أن المنتظم الدولي بات مقتنعا، أن كسب رهان الحرب ضد داعش ومن يدور في فلكها، لن يتحقق على أرض الواقع، ما لم يتم التصدي لحركات الانفصال التي تتقاطع مع الإرهاب، في ضرب الأمن والوحدة والاستقرار، والتعامل الحازم مع “الانفصاليين” باعتبارهم مرشحين فوق العادة لإشهار سيف التمرد والعصيان والتطرف والإرهاب في أية لحظة، وتضييق الخناق على الدول غير المسؤولة التي ترعى الانفصال وتحتضنه وتأويه بدون حرج أو حياء.

الإعلان من مراكش، عن علاقة الزواج الممكنة بين “الانفصال” و”الإرهاب” لم يكن من باب الدعاية أو الإثارة أو المبالغة في التقدير، بل تحكمت فيه رؤية استباقية ومتبصرة تستشعر المخاطر والتهديدات الإرهابية المحتملة التي قد تأتي عن طريق “الانفصال” ومن يدعمه ويرعاه، خاصة بعدما ثبت التحاق عدد من “انفصاليي” مرتزقة البؤس والسراب بتنظيمات إرهابية نشيطة في منطقة الساحل والصحراء، بكل ما لذلك من تقوية لجبهة التطرف في إفريقيا، ومن تشكيل لقاعدة خلفية للإرهاب، مهددة لأمن ووحدة واستقرار منطقة الصحراء والساحل وشمال إفريقيا وأوربا على حد سواء، ومن إسهام في منع إفريقيا من الترقي في سلم النمو والتنمية والازدهار، بدليل أن الأثر الاقتصادي للإرهاب على القارة خلال العقد الماضي،” تجاوز 170 مليار دولار”، مما أثر ويؤثر بشكل مباشر على الاستقرار السياسي والاجتماعي للدول الدول الإفريقية.

وبكل غباء سوف يكرس أعداء السوء ودعاة الانفصال، مشروعية زواج “الانفصال” و”الإرهاب”، بعدما خرج أحد قياديي جبهة “الغبار” و”العجاج” بتصريحات “كرتونية” تضمنت تهديدات مباشرة للمغرب بالقيام بعمليات داخل التراب المغربي، وهذا الخطاب يدخل في خانة “التطرف” و”الإرهاب”، بكل ما لذلك من تداعيات على أمن واستقرار المنطقة برمتها، ومن تأثيرات “محتملة” على الأمن الاستراتيجي لأوربا، وللمصالح المشتركة التي تربط المغرب بعدد من الشركاء الأشقاء والأصدقاء، ومن تحريك لمشاعر الإرهاب الدولي الذي يقتات من الأزمات والحروب والنكبات، وهذه التصريحات “الغبية”، تؤكد بما لايدع مجالا للشك أن “الانفصال” و”الإرهاب” وجهان لعملة واحدة، والمغرب لابد له أن يستثمر هذا الغباء، في إطار علاقاته “داخل التحالف الدولي لهزيمة داعش”، للكشف عن “سوءة” مرتزقة الوهم والسراب ومن يحتضنها ويرعاها ويمنح لها السلاح لتهدد أمن المغرب واستقراره ووحدته الترابية، بما يضمن كسب التعبئة الدولية اللازمة، في أفق تصنيف هذا الكيان في قائمة الإرهاب الدولي.

خرجة القيادي “الكرتوني”، لم تكن لتحدث، لولا مباركة من يتحكم في أزرار نظام السوء، الذي يبدو أنه دخل في خانة من العزلة واليأس وانسداد الأفق، ولم يعد أمامه سوى الدفع بعجلة الأغبياء نحو جحيم النار والهلاك، بعد أن فقد كل الأوراق الدبلوماسية وتلقى ما يكفي من الضربات الواضحة والمستترة، أمام مغرب لايملك “بترول” ولا “غاز”، لكنه يملك “المسؤولية” و”المصداقية” و”الاحترام” و”الثقة” و”التبصر” و”بعد النظر”، وبهذه الأدوات، حقق الإجماع الدولي حول مغربية الصحراء ونجح في جعل المنتظم الدولي يلتف حول مقترح الحكم الذاتي، وانخرط في شراكات اقتصادية وأمنية واستراتيجية وازنة في إطار قاعدة “رابح/رابح”، وكسب ود وصداقة وتعاطف الكثير من البلدان الشقيقة والصديقة، وعبد الطريق لكسب رهانات معركة البناء والنماء.

لذلك، سيبقى وفيا كل الوفاء لعقيدة “الدق تم” يبني مستقبله في صمت بدون لغط أو غوغاء، أما أعداء السوء، فيؤسفنا أولا أن يبقوا أوفياء لعقيدة العداء الخالد، رغم ما وصلوا إليه من عزلة ويـأس وانكماش، ويؤسفنا ثانيا أنهم يجهزون على فرص البناء والنماء والتعاون والرخاء والسلام والازدهار، مقابل الإصرار على الغباء والعداء، من أجل مرتزقة أو عصابة باتت عالة على الاتحاد الإفريقي، الذي لابد أن يتحرك لاتخاذ اللازم بشأنها حرصا على أمن إفريقيا ووحدتها وسلامة أراضيها. ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، فالصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه مهما حقد الحاقدون وعبث العابثون، ومن اقترب من الحدود أو تجرأ على رمال الصحراء المغربية، فنبشره أنه سيستقبل استقبالا حارا “ما بعده استقبال”…

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى