في الواجهةكتاب السفير

خطورة الرسالة الإعلامية

خطورة الرسالة الإعلامية

le patrice

* بقلم: يسين العمري – صحفي سابق – دكتور في علم الاجتماع السياسي

توطئة لا بدّ منها:

أفتتح هذا المقال بطرح السؤال: هل نراقب ما يدخل بيوتنا؟ ما يشاهده أطفالنا؟ هل نعرف مدى الخطورة التي يتمّ تمريرها لعقولنا؟ ما هي برمجة العقول؟ هل نتحكّم في تشكيل عقولنا وهل نحن أحرار في تكوين وعينا وقناعاتنا؟ أم أنّ ما لدينا من أفكار ومبادئ أم يتمّ فرضها علينا فرضاً وتُصَبُّ في عقولنا صبّاً؟

في العلوم الإنسانية يعتبر السؤال هو محرّك البحث، لأنّه يوجهنا نحو نقط معيّنة نودّ استجلاءها وسبر أغوارها، والحديث عن خطورة الرسالة الإعلامية يستدعي أولاً فكرة كون الإعلام أحد أبرز وسائل برمجة العقول والتحكّم فيها، فكيف يكون ذلك؟ وقبل ذلك أين تتجلى أهمية الرسالة الإعلامية؟

بخصوص أهمية الرسالة الإعلامية، فهي تلعب دوراً كبيراً في التأثير الإدراكي من النواحي السهلة والسليمة، حيث تعتبر الأنواع المتعدّدة للرسائل الإعلامية ذات تأثير واضح على الإجراءات الاستقبالية من جهة المتلقي، حيث تُقدَّم إلى الجمهور – وهنا الخطورة- على أنّها حقائق مطلقة على شكل بيانات أو معلومات أو صور أو أفلام أو غيرها، قد تعكس الواقع فعلاً، وقد تكون موجّهة لتقديم أدوات تسويقية سياسية، تستخدمها كافّة الدول في العالم لتساهم في تناول والتعبير عن سياساتها، حيث يكون الرهان الأكبر في هذا السياق هو حصد أكبر قدر من التأثير على القضايا المحلية والعالمية، وهنا نكون أمام الدعاية السياسة أو البروباغندا كما سمّاها سيرجي تشاكوتين.

أمّا عن خطورة الرسالة الإعلامية، فيعتبر نعوم تشومسكي أنّ الإعلام أحد أهمّ الوسائل المستخدمة في برمجة العقول والتحكّم بها، بل هو أهمّها على الإطلاق، فالإعلام أحد أساليب التنشئة الاجتماعية، دوره الأساسي توجيه الرأي العام، إضافة إلى مؤثّرات أخرى تتحكّم في عقول الناس، وبالتالي في سلوكياتهم الفردية والجمعية وميولاتهم، كالدين والفنّ بشتى فروعه، وخطاب رجال الدين، والكتب المدرسية وما يتمّ تعليمه بالمدارس والجامعات، والقيم والعادات المجتمعية والتربية المكتسبة داخل الأسرة والثقافة المكتسبة من الشارع … إلى آخره.

وقد رصد نعوم تشومسكي عشرة استراتيجيات لغسل الأدمغة وبرمجة العقول من خلال وسائل الإعلام، سأكتفي بذكرها دون تحليل، لأنّ المقام لا يتّسع لذلك، وهي: استراتيجية الإلهاء والتّسلية، استراتيجية افتعال الأزمات والمشاكل وتقديم الحلول، استراتيجية التدرّج، استراتيجية التّأجيل، استراتيجية مخاطبة الجمهور على أنّه قاصر أو عبارة عن أطفال في سنّ ما قبل البلوغ، استراتيجية مخاطبة العاطفة بدل العقل، إستراتيجية إغراق الجمهور في الجهل والغباء، إستراتيجية تشجيع الجمهور على استحسان الرّداءة، إستراتيجية تحويل مشاعر التّمرّد إلى شعور بالذّنْب، وأخيراً إستراتيجية معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم.

أضرب مثالاً عن خطورة الرسالة الإعلامية، وهو مثال أكره الخوض فيه، ويشكّل لي مثالاً غريباً، لكنه دالّ ومعبّر:

الإعلام الجزائري الذي يسعى بشتّى الوسائل لخلق عدوّ وهمي خارجي في قلوب ونفوس الشعب الجزائري الشقيق، حيث لا يتوانى عن اختلاق أخبار كاذبة وتغليط للرأي العامّ بأمور أقلّ ما يقال عنها مضحكة، فمثلاً لأول مرّة نسمع أنّ الجراد له جنسية، حيث تطرق ربورطاج بإحدى القنوات الجزائرية الأكثر شهرة إلى ظاهرة غزو “الجراد المغربي” للمحاصيل الزراعية بالجزائر، وعنونت جريدة الشرور عفوا الشروق إحدى مقالاتها بالعنوان التالي: “المغرب يسرق من الجزائر الشمس والطاقة الريحية”، وهذين مثالين فقط عن العديد من التجاوزات التي تضرب مصداقية الصحافة والإعلام في مقتل، وتخلّ بشرف المهنة، ولا هدف لها سوى جعل شعب بأكمله يحقد على دولة جارة، وقد نجحوا في ذلك إلى حدّ لا بأس به، ويمكن كذلك الاستدلال بكون الصحافة الجزائرية بإيعز أو لنقل بتكليف مباشر من العسكر الحاكم بادّعاء أنّ المغرب هو الذي قام بحرق غابات الجزائر وقتل المتطوع جمال بن إسماعيل، والمغرب كذلك وراء إتلاف ملعب مصطفى تشاكر، ولا أدرى ما إذا أصيب الرئيس تبون بنوبة زكام حادة فهل سيكون المغرب السبب؟ أو إذا طلّق الجنرال شنقريحة زوجته فهل المغرب السبب؟

نعم هذه أمثلة غريبة بل تافهة وسفيهة، ولكن الصحافة الجزائرية تشتغل عليها بكثرة لبرمجة عقول الناس هناك على كراهية دولة مجاورة وشعب شقيق.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى