في الواجهةكتاب السفير

قراءة في نتائج الانتخابات الأخيرة بالمغرب

* بقلم: يسين العمري – دكتور في علم الاجتماع السياسي والديني

توطئة لا بدّ منها:

بادئ ذي بدء وجبت الإشارة إلى أنّ المتتبّع للشأن المحلي المغربي لا يملك سوى إبداء إعجابه بالظروف التي مرّت فيها انتخابات تاسع شتنبر 2021 التشريعية والجماعية والجهوية، من ناحية التنظيم والإشراف على العملية الانتخابية قبل وأثناء وبعد الاقتراع، وهذا شيء شبه متفق عليه وبشهادة المتتبّعين والصحافة الدولية التي واكبت هذا الحدث، وإذن من الناحية التنظيمية فلا غبار على العملية الانتخابية، إلا بعض الملاحظات البسيطة هنا أو هناك مثل ما حدث في مدينة كلميم من احتجاج بعض أنصار مرشح حزب الاستقلال الدكتور عبد الرحيم بوعيدة، الذي تبرّأ من تلك الأحداث وصرّح بأنّه سيلجأ للطّعن لدى القضاء الدستوري.

1- التصويت العقابي ثقافة لا بدّ أن تترسّخ لدى المواطن المغربي:

اتّفق معظم المحللين السياسيين داخل المغرب وخارجه على أنّ حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الإسلامية المعتدلة تعرّض لنكسة انتخابية، عصفت به إلى حيث لم يكن أشدّ المتفائلين من خصومه ولا أشدّ المتشائمين من أنصاره يتوقّعها، هزيمة مذلّة جدّاً في جميع الاستحقاقات، بدءاً من انتخابات الغرف المهنية، مروراً بالجماعات والجهات، وانتهاءاً بالبرلمان الذي حصل فيه الحزب المذكور على 13 مقعداً فقط، ولولا القاسم الانتخابي الجديد لحصل فقط على 7 مقاعد، وهو عكس ما تمّ الترويج له من قبل بعض المحسوبين على الحزب أنّ قاعدة القاسم الانتخابي خُلقت خصّيصاً لضرب الحزب.

إذن جاءت النتائج لتكرّس التذمّر الشعبي الكبير من فترة 10 سنوات قاد خلالها البيجيدي الحكومة، وكانت الحصيلة “غير مرضية” إن لم نقل عبارة أخرى أشد وقعاً، فالحزب المذكور تقريباً دخل في خصومات ومشاكسات مع جميع أطراف المجتمع (أساتذة – أطبّاء – مهندسين – طلبة – قضاة – محامين … الخ)، إضافة إلى هزالة الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية، وأوراش كبرى متعثّرة.

طبعاً من باب الإنصاف لا يمكن جحود بعض الأمور الإيجابية وإن كانت قليلة، مثل الشفافية في إعلان المستفيدين من الريع، تخصيص مبلغ معين للأرامل، الزيادة في منحة الطلبة، لكن هذه الأشياء لم تشفع له، خلال في ظلّ الاقتطاعات الكبيرة من جيوب الموظفين والخلل البالغ في صندوق المقاصة، ورفع الدعم عن عدد من السلع الاستهلاكية والمحروقات… الخ، كلّ هذا الخلل فُرض على الموظفين دون غيرهم تحمّله، في حين بقيت أجرة البرلمانيين والوزراء الدسمة وتعويضاتهم على حالها، وتتقاسم المسؤولية في ذلك كلّ الأحزاب المشاركة في حكومة البيجيدي النسخة 1 والنسخة 2، لكن البيجيدي يتحمّل القسط الوافر لأنّه هو من ترأّس الحكومة، وهو من وعد المغاربة في العديد من الخرجات بأشياء لم يَفِ بخمسة في المئة منها، وحتى بافتراض ما يُقال أنّه كانت تتمّ عرقلته، فكان بإمكانه أن يضع مفاتيح القيادة جانباً ويخرج في مؤتمر صحفي ويعلن للمغاربة هذه الأمور إن صحّت.

هذه التراكمات، خاصّة الحصيلة الاجتماعية الهشّة، جيّشت الشعب المغربي ضدّ البيجيدي، يضاف إليها الضّخّ الإعلامي الهائل لقنوات محلية وعربية وأجنبية، خصوصاً تلك التي تموّلها الإمارات والسعودية، وصفت الحزب بفرع “الإخوان المسلمين” في المغرب، وقامت بشيطنته، دون إغفال احترافية الأحزاب الأخرى، وعلى رأسها حزب أخنوش في تدبير الحملة الانتخابية بشكل مبهر.

هذا التجييش أدّى إلى ما يمكن تسميته بالانتقام الديمقراطي، بمعنى أنّ الشعب صوّت تصويتاً عقابيا ضدّ الحزب الذي ترأّس الحكومة لولايتين متتاليتين دون جديد يذكر ولا قديم يعاد. هذا التصويت العقابي يجب أن يتحوّل من مجرّد ردّ فعل على فشل حكومة أو جزب إلى ممارسة وثقافة متجذّرة لدى الشعب المغربي، حتى يعلم السياسيون والحزبيون أنّ هناك لاعباً قويا ومحوريا في اللعبة السياسية هو الشعب، يراقب الأداء الحكومي، ثم يعطي تقييمه بعد خمس سنوات، فإن كانت الأداء جيّداً زكّاه الشعب في الاستحقاقات الانتخابية وإن كان الأداء هزيلاً أزاح الشعب الحكومة والحزب الذي يترأّسها، وهذا من باب “العصا لمن عصى”.

2- رسائل للداخل والخارج:

لعلّ أوّل رسالة يمكن استخلاصها هي نسبة المشاركة التي فاقت نسبة 50 بالمئة بقليل، وهي نسبة مقبولة ومرتفعة مقارنة باستحقاق 2016، ومرتفعة مقارنة بنسبة التصويت في انتخابات بعض الدول المجاورة، ولعلّ الرسالة الأبرز التي أثارت حنق البعض هي نسبة التصويت العالية جدّاً في الأقاليم الجنوبية للمغرب والتي بلغت 70 بالمئة، والتي أعطت الشرعية التمثيلية لسكان الصحراء المغربية لمن تمّ انتخابهم، فالشرعية تكون بالصناديق وبالاقتراع، لا بالبلطجة والادّعاءات.

انتخابات المغرب عرفت تتبعاً كبيراً وكثيفاً من الإعلام العربي والدولي، وعرفت الثناء من كبريات القوى الدولية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها، حيث أشادت بالعملية الديمقراطية، وأشادت بالاستثناء المغربي.

إنّ تداول السلطة ينبغي أن يكون بسلم وسلام، وهذا ما حصل في المغرب، أتى الإسلاميون بالصندوق، وغادروا بالصندوق، فلا جيش تدخّل كما في مصر، ولا رئيس الدولة حلّ البرلمان والحكومة كما في تونس، ولا وقعت حرب أهلية كما في العشرية السوداء بالجزائر، ولا أعضاء الحزب “الإسلامي” الخاسر زجّ بهم في السجون وذبحوا كما حصل في مصر والسودان والجزائر، وعلى كلّ حال وجبت الإشادة في هذا المقام بالضبط بسلوك حزب البيجيدي الذي هنّأ الحزب الفائز وتقبّل نتائج الانتخابات، وعرف أنّ المشكل بداخله، فاستقالت الأمانة العامّة للحزب عن بكرة أبيها، وعلى رأسها الدكتور سعد الدين العثماني، وهذا يدلّ على أنّ الحزب سيراجع أوراقه، ويحاول النهضة من نكسته هذه.

ومن الدروس التي على البيجيدي استخلاصها في تقديري، العمل الميداني وليس التوسّل بالخطاب الذي يدغدغ مشاعر الناس، خطاب المظلومية والمسكنة والتباكي، والخطاب الذي يستغلّ الدين، دون برامج واقعية، دون أرقام ملموسة، دون منجزات واضحة، وهذا ما تفطّن له خصوم البيجيدي، حيث ارتكزت حملاتهم الانتخابية على وضع برامج مذيّلة بأرقام.

درس آخر يجب استخلاصه، لكن هذه المرّة خارجياً، وهو أنّ المحاولات البائسة اليائسة لمرتزقة جبهة البوليساريو باءت بالفشل، حيث راسلت الأمم المتحدة بعدم شرعية الانتخابات في الصحراء، وهي المراسلة التي كان مصيرها سلّة المهملات، فحاولت تحريض الساكنة على عدم التصويت فمنيت بهزيمة نكراء، وكانت مشاركة الأهالي جدّ مرتفعة، ثمّ حاولت الركوب على موجة الأحداث بمدينة كلميم وحاول عنصار بوليساريو الداخل أن يندسّوا وسط المعتصمين المتعاطفين مع الدكتور بوعيدة، فكان أن طُردوا وضُربوا بالأحذية.

نقطة أخرى، على الإعلام في الجارة الشرقية أن يتعلّم ما معنى الرسالة الإعلامية وشرف المهنة، فقد آلمهم جدّاً نجاح الانتخابات المغربية، فحاولوا كعادتهم المقيتة صنع وتفريخ الفتنة، فحاولوا إظهار أنّ حزب العدالة والتنمية تعرّض لمؤامرة من طرف “نظام المخزن”، والحال أنّ الحزب نفسه لم يعلن أنّه تعرّض للمؤامرة، بل هو تداول سياسي وصراع على الحكم، الفيصل فيه للشعب، يختار من يريد، وقد اختار، بغضّ النظر عمّن اختارهم، المهمّ أنّهم يتمتّعون الآن بشرعية الصندوق، وهي شرعية دستورية وقانونية لا غبار عليها، فلا تصطادوا في المياه العكرة، لأنّ حزب العدالة والتنمية مغربي وطني، لا ولن يساهم في أيّة فتنة داخل الوطن، وفيه من العقلاء والمثقفين ما يكفي لاستيعاب هذه المؤامرات.

أخيراً، بعض المواقع الإلكترونية المغربية التي تعمل بأجندة إماراتية، وتقبض أموال البترو- دولار، من المعيب أن تسمّوا حزب العدالة والتنمية بحزب “الإخوان”، كما يملي عليكم أسيادكم في دبي وأبو ظبي والقاهرة، في القاموس السياسي والحزبي المغربي لا وجود البتّة لمصطلح “إخوان”، هي بدعة تريدون ابتداعها، لتشويه تيار معيّن، نتفهّم تطبيلكم لرئيس الحكومة المرتقب، لكن لن نسمح لكم بالعبث في الساحة المغربية خدمة لأجندات خارجية، وإلا فما الفرق بينكم وبين صحافة الفتنة في الجارة “الشّرّ-قية”، حزب البيجيدي وغيره من الأحزاب ليبرالية أو إسلامية أو يسارية، أحزاب مغربية مواطنة، فكفانا من اللعب القذر.

3- حكومة رجال الأعمال:

كلّ المغاربة يعلمون أنّ الحكومة المقبلة ستكون حكومة رجال أعمال بامتياز، سيترأّسها بتكليف ملكي عزيز أخنوش أمين عامّ حزب التجمع الوطني للأحرار الفائز بالرتبة الأولى في الانتخابات، في احترام لقواعد الدستور، السيد أخنوش أثرى أثرياء المغرب وإفريقيا، وكذلك السيدة زوجته، لهما سلسلة كبيرة من المعاملات والأموال والشركات والمصالح، تكفي لتسمية السيد أخنوش ب “قارون المغرب”، طبعاً هناك من أثار عدّة أمور في حقّ الرجل من واجبنا إثارتها لتنوير الرأي العامّ: مسألة من أين له بكلّ تلك الأموال؟ وأين تذهب وفيم تُصرف؟ وقيمة الصفقات … الخ، أقول تلك أمور من اختصاص أهل الاختصاص، ومن له دلائل تدين الرجل فليتقدّم بها إلى القضاء، كذلك مسألة القرب أو التقرّب من مصدر القرار، أرى أنّها على العكس أمر إيجابي ممكن أن يُساعد رئيس الحكومة الجديد لا أن يُعيقه، ومسألة أخرى هامشية أثيرت كثيراً هي كونه ينتمي لمحفل ماسوني، هو أمر يخصّه، لأنّ الدين لله والوطن للجميع، ما يخصّنا كمواطنين ما سوف ينتج عن عمل الحكومة التي سيترأّسها السيد أخنوش، كذلك هناك مسألة كونه متعصّباً للأمازيغ دون العرب، هذا أمر في تقديري يدخل ضمن خانة الإشاعات التي لاأصدّقها كشخص، لأنّه لا وجود لأيّ دليل ملموس على مصداقيتها، وهو الآن رئيس حكومة كلّ المغاربة من طنجة إلى لكويرة.

 الكلّ يتذكّر مقاطعة قطاعات واسعة من الشعب المغربي لبعض شركاته، وكذلك الكلّ يتذكّر خرجته الإعلامية التي قال فيها “خاصّ تعاود لكم التربية”، هذه الأمور أدعو الطرفين لنسيانها خدمة للوطن، وفتح صفحة جديدة، يكون الرابح فيها هو المواطن المغربي، نريد للخدمات أن تتحسّن، للمرافق أن تعمل بجودة، أن يكون الأداء الاقتصادي والاجتماعي كفيلاً بإقناع المواطنين، الكفّ عن أذى الناس في قدراتهم الشرائية والاقتطاعات غير العقلانية والزيادات الصاروخية والمجحفة التي كانت أهمّ سبب لإسقاط العدالة والتنمية.

ومن هنا أدعو الحكومة الجديدة على الاشتغال برزانة وعمق على الملف الاجتماعي والاقتصادي، وبالخصوص إيجاد فرص عمل للشباب كما سمعنا في الحملات الانتخابية، حذاري ثمّ حذاري من بيع الوهم، وإلا فإنّ التصويت العقابي خيار نموذجي دوماً للشعب بغرض معاقبة من لا يفي بوعوده.

في تقديري، فإنّ حزب الحمامة سوف يتحالف مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي بشكل أساسي، وربّما أيضا مع الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية، لتبقى أحزاب الأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية في المعارضة.

ختاماً، نشيد بالعملية الانتخابية كدليل على ديمقراطية مغربية لها خصوصيتها، ونتوسّم الخير في الحكومة المقبلة، ونطلب منها العمل على ما فيه خير لعموم المواطنات والمواطنين المغاربة، نقول لحزب العدالة والتنمية وما ظلمناكم ولكن ظلمتم أنفسكم بسياساتكم الاجتماعية، ونقول للخارج الأعداء والأصدقاء هذا مغرب اليوم، شعب واعي، نخبة تحبّ الخير للبلد، قيادة تراعي مصالح المواطنين، لذلك نحن قوّة إقليمية حقيقية، ورحم الله شهيدي الوطن، السائقين المغربيين اللذان استشهدا بمالي، والتي أعتقد بنسبة كبيرة جداً أنّ المخابرات الجزائرية بقتلهما بمساعدة شرذمة البوليسارية والمخابرات الإيرانية.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى