في الواجهةكتاب السفير

حمامة “الأحرار” تبحث عن حكومتها

* بقلم : عزيز لعويـسي

بعد أن حظي بشرف التعيين الملكي، سيدخل عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحـرار، انطلاقا من الاثنين 13 شتنبر الجاري، في صلب مشاورات مع الفرقاء السياسيين، في أفق التعجيل بتشكيل حكومة جديدة قوية ومنسجمة، قادرة  على الانخراط في صلب الرهانات التنموية الكبرى المرتبطة بشكل خاص بورش الحماية الاجتماعية وتنزيل برامج ومشاريع النموذج التنموي الجديد، وتجاوز ما تركته الأزمة الوبائية من مشكلات اقتصادية واجتماعية، بالموازاة مع  مجابهة التحديات الخارجية بكل مستوياتها، وقبل هذا وذاك، الحرص على الرفع من منسوب الثقة والمصداقية، عبـر الوفـاء بالوعود والالتزامات الانتخابية، وفي هذا الإطار، واستقراء للنتائج النهائية التي بـوأت الصدارة  للحمامة، قـد يبـدو  للمتتبعين للشأن السياسي الوطني، أن الطريق باتت معبدة أمام زعيم التجمعييـن، لكسب رهان تشكيل الحكومة  بأقل  الجهود الممكنة، مقارنة مع التجارب السابقة، لكن نرى، أن الطريـق لن تخلـو من بعض العقبـات والمطبات، نربطها بالاعتبارات التالية :

  1. ضرورة تقارب البرامج الانتخابية للأحزاب المرشحة للدخول في التحالف الحكومي، مع الخطوط العريضة لبرنامج التجمع الوطني للأحـرار، وما وضعه من رؤى ومعطيات وأرقـام،  شكلت تعاقدات مع الناخبين، وجب الالتــزام بتنفيذها.

2. مدى القدرة على تذويب جليد الخـلاف بين الحمامة والجرار، وبشكل خاص بين “عزيز أخنوش” و “عبداللطيف وهبي”.

3. مدى القدرة على التوافق بخصوص توزيـع الحقائب الــوزارية.

4. مدى استحضار ضرورات حضور معارضة برلمانيـة قوية ومتجانسـة، قـادرة على تحمل مسؤولياتها الدستورية.

وعليه، واستحضارا للاعتبارات المذكورة، إذا كانت أقصر طريق  بالنسبة لعزيز أخنوش، هي التحالف مع صاحبي الرتبة الثانية ( الأصالة والمعاصرة)  والرتبة الثالثة ( الاستقلال )، لانتـزاع “أغلبية مريحة جدا”، وبالتالي، إمكانية تشكيل الحكومة بدون عناء، والدخول المبكر في صياغة التصريح الحكومي الذي سيشكل أرضية للتنصيب البرلماني، فإن هذه الأغلبية المريحة جدا، تبقى لصيقة بهاجس “المعارضة البرلمانية”، التي لايمكن البتة، فصلها عن أي توافق  بشأن الحكومة المنتظرة، لذلك، ومواكبة منا، للنقاش السياسي بشأن  هويـة  حكومة عزيز أخنوش التي تنتظرها عدة قضايا وملفات ساخنة، نحـاول النبـش في تضاريس الخيـارات  أو السيناريوهات  المتاحة أمام الرئيس التجمعي، لتشكيل التحالف الحكومي، الذي لابد أن يخضع لمنطق الوحدة والتجانس والانسجام والنجاعة والفاعلية، دون إغفال  ضرورات الإبقــاء على معارضة برلمانية قوية وفاعلة وناجعة، وهذه السيناريوهات على النحو التالي :

  1. السيناريو الأول : التجمع الوطني للأحرار- الأصالة والمعاصرة – الاستقـلال 
             عدد المقاعد                         الأحزاب السياسية
                  102                        1.التجمع الوطني للأحرار
                  87                        2.الأصالة والمعاصرة
                  81                        3.الاستقلال
                 270                        المجمـوع

الاتجاه نحو تشكيل تحالف حكومي بين الأحزاب الثلاثة التي احتلت صدارة الانتخابات، هو سيناريو منطقي وواقعي وينسجم وعدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب الثلاثة الأولى، ويتعلق الأمر بالتجمع الوطني للأحرار (102 مقعد) والأصالة والمعاصرة  (87 مقعد ) والاستقلال (81 مقعدومن إيجابيات هذا السيناريو أنه يعبد الطريق جيدا أمام تشكيل الحكومة، ويستعجـل بلورة تصريح حكومي مشترك في أقرب الأوقات الممكنة، ويقلل من فـرص الخلافات، سواء تعلق الأمر بتوزيع الحقائب الوزارية أو بالتوافق على برنامج حكومي موحد تحضـر فيه الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي لكل حزب، أو بتنزيل مضامين هذا البرنامج الحكومي، كما أن هذا السيناريو  يمنح أغلبية مريحة ومريحة جـدا (270 مقعدا)، لكن يعاب عليه، أنـه يضـع الأحزاب السياسية الكبرى والوازنة في الحكومة، وهذا الخيار قد يساهم في إضعـاف المعارضة التي ستتقاسمها فرق صغيـرة ومتناثـرة، تحتاج إلى حزب وازن على الأقل لقيادتها، مما قـد يرجـح فرضية خـروج  حزب الأصالة والمعاصرة  إلى المعارضة أو بدرجة أقل حزب الاستقلال.

ونرى أن حزب الجرار قد يصعب عليه التموقع مجددا في معسكر المعارضة، لاعتبارين اثنين : أولهما: احتلاله الرتبة الثانية في الانتخابات مما يجعله أجدر بالمشاركة في الحكومة، ثانيهما: لم يسبق له أن تحمل مسؤولية التدبير الحكومي، وهنا نتساءل : هل عزيز أخنوش على استعداد للدفع بأحد الحزبين نحو المعارضة ؟ هل تكون الاتهامات الخطيرة التي وجهت له من طرف “عبداللطيف وهبي” في عز الحملة الانتخابية، كافية لإبعاد الجرار عن قطار التحالف الحكومي، تفاديا لأية خلافات محتملة من شأنها عرقلة العمل الحكومي ؟ ألا يشكل دخول البام إلى حكومة أخنوش، انقلابا صريحا على مواقف الأمس ؟ أم أن رئيس الحكومة المعين، سيجازف بالاعتماد على الحزبين معا، لتشكيل فريق حكومي ثلاثي الأقطاب قوي ومنسجم ومتماسك، وبالتالي يخرج من الباب الواسع ؟، على أساس أن تتحول باقي الأحزاب السياسية نحو المعارضة؟

2. السيناريو الثاني : التجمع الوطني للأحرار-  الاستقـلال – الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية – التقدم والاشتراكية.

     عدد المقاعد                 الأحزاب السياسية
            102                1.التجمع الوطني للأحرار
             81                2.الاستقلال
             34                 3.الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
             22                  4.التقدم والاشتراكية
           239                 المجموع

تطبيق هذا السيناريو، يقتضي خروج حزب الأصالة والمعاصرة إلى صفوف المعارضة التي تحتاج إلى حزب قوي يقودها، وفي هذه الحالة سنكون أمام تحالف حكومي متجانس، يقوم على حزب التجمع الوطني للأحرار(102 مقعدا )  زائد أحزاب الكتلة الديمقراطية سابقا (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية ) بما مجموعه 137 مقعدا، وأيضا هذا السيناريو يمنح أغلبية عددية مريحة (239 مقعدا)  وإن كانت بدرجة أقل مقارنة مع السيناريو الأول، ويضعنا أمام أحزاب متجانسة ومتناغمة على مستوى الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، بل وشاركت بدرجات ومستويات مختلفة في الحكومات السابقة، وتزخر بالعديد من الأطر والكفاءات التي خبرت الممارسة الحزبية والسياسية. 

3. السيناريو الثالث : التجمع الوطني للأحرار-  الاستقـلال – الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية – الاتحاد الدستوري.

    عدد المقاعد                                       الأحزاب السياسية  
             102                                  1.التجمع الوطني للأحرار
              81                                        2.الاستقلال
              34                         3.الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
              18                                    4.الاتحاد الدستوري
             235                                           المجموع

في هذا السيناريو الثالث، تم التخلي عن خيار “التقدم والاشتراكية” وتعويضه بحزب الاتحاد الدستوري (18مقعدا) ، بالنظر إلى التحالف المسبق مع جزب التجمع الوطني للأحــرار، ودخول الحصان إلى جانب “الحمامة” و”الجرار” و”الوردة”، سيمنح أغلبية مريحـة  (235 مقعدا ) أقل بقليل من  السيناريو  الثاني الذي حضر فيه “الكتاب” (239 مقعدا)، علما أن الأحزاب الخمسة كلها، سبق أن تحملت مسؤولية التدبير الحكومي.

4.السيناريو الرابع : التجمع الوطني للأحرار- الأصالة والمعاصرة – الحركة الشعبية – الاتحاد الدستوري.

               عدد المقاعد                                     الأحزاب السياسية
                     102                               1.التجمع الوطني للأحرار
                     87                                 2. الأصالة والمعاصرة
                      28                                  3.الحركة الشعبية
                       18                               4.الاتحاد الدستوري
                     235                                    المجموع

السيناريو الرابع والأخير، يقتضي خروج  أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم الاشتراكية إلى المعارضة، وتأسيس تحالف حكومي قطباه “التجمع الوطني للأحرار” و”الأصالة والمعاصرة” (189 مقعدا)، بدعم من حزبي “الحركة الشعبية” و”الاتحاد الدستوري” (46 مقعدا )، وهذا السيناريو  يمنح بدوره أغلبية مريحة مماثلة للسيناريو الثالث (235 مقعدا )، مع إمكانية  الدفع بالحركة الشعبية في اتجاه المعارضة، والاحتفاظ بحزب الاتحاد الدستوري، في إطار تحالف ثلاثي، يمنح أغلبية مريحة بمستوى أقل ( 207 مقعدا )، وقد يتم الاحتفاظ بالحركة الشعبية على حساب الاتحاد الدستوري، وهذا يمنح أغلبية أكبـر بقليل (217 مقعدا).

واستقراء لهذه السيناريوهات المتاحة أمام  عزيز اخنوش، المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، يلاحظ أنها تمنح جميعها الأغلبية بين المريحة والمريحة جدا تتباين بين 270 مقعدا (السيناريو الأول) و239 مقعدا (السيناريو الثاني) و235 مقعدا (السيناريو الثالث والرابع ) من أصل 395 مقعدا (مجموع مقاعد مجلس النواب)، لكن في تصورنا الشخصي، يبقى السيناريو الأول مستبعدا، لأن حضور ثلاثة أحزاب سياسية كبرى ووازنة من قبيل الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال في حكومة واحدة، سيساهم بدون  شك في بلورة معارضة ضعيفة وغير متجانسة ومتناثرة.

وتبقى السيناريوهات الثلاثة المتبقية (الثاني والثالث والرابع) أكثـر واقعية، علما أن السيناريوهات الأربعة، يحضر فيها “الأحرار” الذي تصدر نتائج الانتخابات، وحزب “الاستقلال” الذي حل ثالثـا، وهذا يعطي  حظوظا وفيــرة للميزان ليكون حاضرا إلى جانب الحمامة، في أي تشكيل حكومي مرتقب، ويبقى إدراك الأغلبية المريحة أو المريحة جدا، يمـر قطعا عبـر أحزاب “الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية” أو “الحركة الشعبية” و”الاتحاد الدستوري”، وهذه الأحزاب،  لن تكون بدون شك، حاضرة ومجتمعة  في أي توافق حكومي، لاعتبارين اثنين، أولهما : ضرورة التقليص من حجم الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي، بما يضمن التجانس والنجاعة، وثانيها : عدم التأثير  السلبي على وضعية  المعارضة البرلمانية.

في جميع الحالات نرى أن الطرق معبدة أمام قائد الحمامة، من منطلق أن كل السيناريوهات المتاحة تمنح الأغلبية المريحة أو المريحة جدا، لكن وهو يحاول وضع اليد على السيناريو الأنسب والأنجـع، لابد أن  يستحضر مقتضى الفصل 10 من الدستور الذي خول للمعارضة البرلمانية، حقوقا من شأنها تمكينها من النهوض بمهامها على الوجه الأكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية، خاصة فيما يتعلق بالمشاركة في مسطرة التشريع، عن طريق تسجيل مقترحات قوانين بجدول أعمال مجلس النواب والمشاركة الفعلية في مراقبة العمل الحكومي، عن طريق عدة آليات منها مساءلة الحكومة، والأسئلة الشفوية الموجهة للحكومة، واللجان النيابية لتقصي الحقائق، والتمثيلية الملائمة في الأنشطة الداخلية لمجلسي النواب، ورئاسة  اللجنة المكلفة بالتشريــع بمجلس النواب … إلخ، وهي حقوق من ضمن أخرى، تقتضي توفر معارضة قوية متجانسة وناجعة ومؤثــرة، وهذا لن يتحقق إلا في ظل تواجد حزب أو حزبين وازنين داخلها، خاصة في ظل أفول نجم حزب المصباح الذي بات صغيـرا على غرار الأحزاب السياسية الصغيرة التي ستنزوي في صفوف المعارضة البرلمانية، وفي المحصلة، نأمل أن  تتشكل حكومة موحدة  ومتجانسة وناجعة، قادرة على مواجهة الرهانات القائمة  والتحديات المطروحة، وفي ذات الآن، لايمكن أن نتصور حكومة قوية، إلا في ظل معارضة برلمانية قوية ومتناغمة، قـادرة على الترافع والإسهام في التشريع   وعلى  الشراسة في مراقبة العمل الحكومي.

مع الإشارة أن الضوابط التي ستتحكم في  التشكيل الحكومي، لابد أن تكون حاضرة على مستوى تشكيل المجالس الجماعية والجهوية،  مادامت الأحزاب التي تصدرت  انتخابات أعضاء مجلس النـواب، هي نفسها التي تصدرت الانتخابات الجماعية والجهوية، وهذا المعطى سيسمح ببلورة سياسات  عمومية  متبصرة  يتقاطع فيها  الوطني بالجهوي  بالمحلي، ونختم بالقول، أن التحدي الأول الذي سيكون مطروحا أمام  قائد الحمامة، هـو  البحث عن  الأحزاب السياسية التي ستشكل الفريق الحكومي، أما التحدي الثاني، سيهم اختيـار  الأسمـاء التي ستسند لها الحقائب الـوزارية، وهذا الاختيار لابد أن تتحكم فيه ضوابط الكفاءة  والمسؤولية والاستقامة والنزاهة، والوطنية الصادقة والقدرة على  التفكيـر وتقديم الحلول للمشاكل المستعصية، بعيـدا عن  واقـع المحاباة والترضيات والتزكيات وجبر الخواطـر، لأننا  بصدد تشكيل حكومة مواطنة  تتحمل وزر المسؤولية والأمانة أمام الله والملك والشعب،  خادمة للوطن والمواطنين، وليس  أمـام “وزيعـة انتخابية ” أو “كعكة سياسية”.. في جميع الحالات، نتمنى النجاح والسداد للحمامة التي ستتـربع على عـرش الحكومة طيلة خمـس سنوات، عساها  تحلق برشاقـة وأناقـة وسخــاء وبهــاء، لما فيه خيـر للبــلاد والعبــاد.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى