* د. يسين العمري
القانون باللغة العربية، Droit بالفرنسية، Law بالإنجليزية، Ley بالإسبانية كلها مصطلحات لها نفس المعنى، حيث تعني الكلمة مجموعة من القواعد التي تنظم السير العام للحياة داخل مجتمع ما، كسلوك الأفراد فيما بينهم، وحقوق المواطنين وواجباتهم وحرياتهم الفردية والعامّة، والعلاقات بين المواطن والإدارة… الخ، وينقسم القانون إلى خاصّ (علاقات الأفراد فيما بينهم وبدوره يتفرّع إلى جنائي ومدني وتجاري … الخ)، وعامّ (العلاقات التي تكون الدولة طرفاً فيها كالقانون الإداري والقانون الدستوري والعلاقات الدولية والعلوم السياسية بصفة عامّة)، ويمكن إيجاد تقسيمات أخرى عديدة أو تفريعات كالقانون الوطني أو الدولي مثلاً.
ما يهمّ في هذا المقال هو توضيح ماهية القاعدة القانونية من حيث المفهوم والخصائص والأنواع والمصادر وتمييزها عن بعض المفاهيم المتشابهة معها كالعرف أو العادة الاتفاقية.
أولا: التعريف:
سنبدأ من تعريف القاعدة القانونية باعتبارها قاعدة اجتماعية عامّة ومجرّدة ملزمة تهدف إلى ضبط سلوك الأفراد داخل المجتمع وتقترن بتوقيع السلطة العامّة للعقاب ضدّ من يخالفها.
ثانياً: الخصائص:
إنّ تعريف القاعدة القانونية سيقودنا بشكل تلقائي إلى تفكيك عناصرها من حيث الخصائص فهي:
1- قاعدة اجتماعية: أتت لتنظيم مجتمع ما وضبط سلوكات الأفراد داخله.
2- قاعدة عامّة: تسري على جميع أفراد المجتمع من حيث الأشخاص والوقائع، فهي موجهة لهم جميعاً على السواء ولا تخاطب فرداً معيناً، وحتى القوانين الفئوية مثل قانون المحاماة أو المهندسين أو المتصرفين فهو يخاطب كلّ أفراد تلك الفئة دون تمييز، لكن أحياناً قد ترد استثناءات على بعض المناطق الجغرافية لاعتبارات اجتماعية أو سياسية.
3- قاعدة مجرّدة: يشترط فيها الوضوح، فلا تكون غامضة أو فيها لبس. وتجدر الإشارة إلى أنّ العمومية والتجريد خاصيتان متلازمتان تكمل إحداهما الأخرى من حيث سريان القاعدة القانونية على جميع الأشخاص والوقائع التي تنظمها، وهذا أمر يقتضي الوضوح التامّ وعدم الغموض أو اللبس.
4- لها طابع الإكراه والعقاب: تطبيق القاعدة القانونية أمر ملزم لا اختيار فيه، وفي حالة مخالفتها يتعرض المخالف للعقاب من طرف السلطة العامّة.
ثالثا: أنواع القاعدة القانونية:
أشهر نوعين هما القاعدة القانونية الآمرة والمكمّلة، فالآمرة هي التي لا يجوز الاتّفاق على مخالفتها بتاتاً، وأي اتفاق يؤدّي لمخالفتعا يعتبر باطلاً بطلاناً تامّاً بقوّة القانون، وتكون صياغتها بصيغة الوجوب والإلزام مثل “يجب” “يلتزم” “لا يجوز” “يقع باطلا”… إلى آخره، في حين أنّ القاعدة القانونية المكمّلة فهي بمفهوم المخالفة ما يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفته، وتكون صياغتها بصيغة الاحتمال والتخيير مثل”يجوز” “يمكن” “ما لم يرد اتفاق مخالف” “ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك”… إلى آخره، وقد جاءت القاعدة المكمّلة لتعزيز مبدأ قانوني هو “العقد شريعة المتعاقدين”، فالعهد هو تراضي طرفين أو أكثر على بنود معينة لهم مطلق الحرية في التفاوض عليها وإقرارها والالتزام المتبادل بها، ما لم تخالف نصّاً قانونياً.
رابعاً: مصادر القاعدة القانونية:
القاعدة القانونية ليست وليدة الصدّفة، بل هي نتاج مجموعة من التراكمات الطبيعية، والتدافع بين مختلف القوى المجتمعية، وتنتج بعد توافق مختلف قوى ومكوّنات المجتمع، حيث تستمدّ جذورها وحجيتها وتأصيلها من عدّة مصادر نذكر أهمّها:
1- الدين (ما يتعلّق بالأحوال الشخصية والمواريث مثلا – مدونة الأسرة).
2- الاتفاقيات الدولية الموقع عليها من الدولة (اتفاقيات تهمّ حقوق المرأة والطفل أو مناهضة التعذيب مثلاً).
3- التشريع: والمقصود به مختلف القوانين التي تناقش في البرلمان ويتمّ لإقرارها ونشرها في الجريدة الرسمية (القانون الجنائي – المسطرة الجنائية – المسطرة المدنية …. الخ).
4- مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة باعتبارها مجموعة من القواعد التي تحكم السلوك الاجتماعي للإنسان مصدرها الإلهام الفطري والإدراك السوي، لا تختلف في الزمان والمكان، وتتأسّس على مسلّمات مثل الحقّ في الحياة والملكية والحق في الحرية لجميع أفراد المجتمع… الخ).
5- العُرْف: وهو ما تعارف عليه الناس في مكان ما، ويعود إلى زمن سابق، حيث انتقل من جيل لآخر حتى نشأ الاعتقاد لدى الناس بأنّه أصبح ملزماً وأنّ من يخالفه سيتعرّض للجزاء من طرف الجماعة، فالعرف عبارة عن مجموعة من القواعد غير المكتوبة التي يتّبعها الأفراد في سلوكهم، وإن كان غير ملزم، لكن مخالفه يتعرّض للنبذ أو الوصم الاجتماعي.
6- الفقه: المقصود به مجموع الكتابات والاجتهادات الصادرة عن المتخصصين في القانون.
7- الاجتهاد القضائي: ويعني مجموع الأحكام الصادرة عن المحاكم في بلد ما.
خامساً: تمييز القاعدة القانونية عن العرف والعادة الاتفاقية:
كثيراً ما تلتبس في الأذهان مفاهيم القاعدة القانونية والعرف والعادة الاتفاقية، وسنحاول بنوع من التلخيص فكّ الاشتباك بين هذه المفاهيم من حيث أوجه الاختلاف والتشابه، فالقاعدة القانونية كما سبق أن تناولناها في التعريف قاعدة اجتماعية تنظم سلوك الأفراد داخل مجتمع ما، وكذلك العرف قاعدة اجتماعية تنظّم سلوك الأفراد داخل مجتمع ما، القاعدة القانونية ملزمة ويتعرّض مخالفها للإكراه بمعنى يجبر على التنفيذ تحت طائلة توقيع عقوبات مادّية في حقّ من يخالفها إمّا بسجنه أو تغريمه، أمّا العرف وإن استمدّ إلزاميته من اعتقاد الناس بكونه كذلك، فإنّ مخالفه لا يتعرّض سوى للاستنكار من الناس، ونبذهم للمخالف، ووصمهم إياه بخرق المعيار المتعارف عليه، ليصبح في نظرهم غير عادي وغير سوي، ويجب تحاشيه ونبذه، وهي عقوبة معنوية وليست مادية.
أمّا العادة الاتفاقية فهي أن يتفق مثلاً فردان أو مجموعة أفراد على ممارسة معينة داخل فضاء معيّن، مثل أداء تحية معينة عند دخول قاعة رياضية لأداء تدريب معينّ، أو القيام بطقوس معينة أثناء مزاولة نشاط روحاني أو رياضي، وبالتالي فهي ليست ملزمة ولا يعاقَبُ من يخالفها، لكن من يتّفقون عليها يعملون على احترامها من باب الالتزام الأخلاقي (engagement moral).
دارس ومهتمّ بالقانون المقارن*



