في الواجهةكتاب السفير

الإفطار العمدي في رمضان جريمة و ليس حرية فردية

le patrice

* د. يسين العمري

ممّا لا شكّ فيه أنّ المجتمعات محكومة بقوانين و لها مفهوم و تصوّر خاصّ للنظام العام بمدلولاته الثلاثة (الأمن العمومي – الصحة العمومية و السكينة العمومية)، و قد تختلف هذه الأمور من مجتمع لآخر حسب ثقافة كلّ مجتمع، و المعلوم للجميع بالضرورة، أنّ أحد مكونات الثقافة المغربية هو الدين الإسلامي و المذهب المالكي

  تنص المادة 222 من القانون الجنائي المغربي على تجريم جنحة الإفطار العلني للمسلمين في شهر رمضان المبارك إلا بعذر شرعي يبيح ذلك مثل المرض مثلاً، حيث تتضمّن على عقوبة سالبة للحرية من شهر إلى سنة أشهر، و غرامة لا تقلّ عن 200 درهم، و بالتالي أنهى المشرع النقاش و حسم فيه.

غير أنّه منذ ظهور حركة تسمى “مالي” في المغرب، أخذ مطلب عدم تجريم الإفطار في رمضان منحى تصاعدياً، بزعم أنّ التجريم لا يحترم حريات الأفراد، وهكذا و بدعم من بعض من يسمّون أنفسهم حقوقيين سواء أفراد أو تنظيمات،  بات هذا النقاش يتجدّد كلّ شهر رمضان، و معه تتجدّد مطالب هؤلاء بإلغاء التجريم.

صحيح أنّ التسامح المجتمعي شيء جميل، و ضروري ليبقى المجتمع موحداً، لكن التسامح ليس شيكاً على بياض، بحيث يمكن أن يؤدّي إلى هدم معتقدات الغالبية العظمى من المغاربة، و يهدّد أمنهم الروحي، و بالعودة إلى فلسفة التسامح كما جاءت في فكر جون لوك ثمّ فولتير بعده، اللذان لكلّ منهما رسالته في التسامح، لكن مثلاً فولتير في رسالته للتسامح دعا إلى عدم التسامح مع من ينكر وجود الله، بل دعا لقطع رأسه، طبعاً لسنا من دعاة قطع الرؤوس، و لكن لسنا مع ترك الحبل على الغارب لمثل هؤلاء الشرذمة، التي لم نشهد لهم نضالاً إلا في كلّ قبيح، و في كلّ ما يخرب المجتمعات، فتارة يدعمون الشذوذ الجنسي، و تارة أخرى يدعمون العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، و تجدهم يدعمون حقّ الرّدّة عن الإسلام، و حقّ المرأة في الإجهاض، و حق تمثيل المشاهد الإباحية تحت مسمى حرية الفن و الإبداع، و هم في تقديري كاذبون في دعواهم كلها.

كيف يعقل لمجتمع تسعة وتسعون من ساكنته مسلمون، و دين دولته الإسلام، و ملكه أمير المؤمنين أن يقبل بهذه الأمور، ثمّ سؤالي لهم: إذا أردت أن تفطر في رمضان لماذا لا تغلق عليك بابك و تفطر؟ و الأمر بينك و بين ربّك، إن شاء عفا و إن شاء عاقب، لماذا الإصرار على الإفطار أمام العلن و جهراً؟ هل تحدياً للمجتمع و للسلطة الشرعية و القوانين؟ أم لتقول أنّك هنا و تثبت وجودك و تجد موطيء قدم في المشهد و يتكلّم عنك الإعلام و تحصل على “البوز”؟ أم تحقيقاً لمآرب تتحكّم فيه يد خارجية تموّل بسخاء مثل هذه الأمور المقزّزة؟

إن كنت غير مقتنع بالصيام، فما عليك إلا أن تفطر في منزلك، و الله يتولى أمرك حينئذ، أمّا هذا الإصرار الغريب على استفزاز الناس في دينهم فيبقى أمراً غير مفهوم، لأنّ فيه إصرار و تعمّد لمواجهة المجتمع بأكمله و السلطة و القانون في تحدٍّ سافر، و هنا سيجد مثل هؤلاء نصّاً جنائياً آخر صارماً يتصدّى لخيالهم المريض و هو الفصل  222 من القانون الجنائي المغربي، و الذي يعاقب بستة أشهر إلى ثلاث سنوات، و غرامة من مائة إلى خمسمائة درهم على جنحة زعزعة عقيدة مسلم، لأنّ هؤلاء الحقوقيين يستعملون وسائل الإراء من خلال إظهار إفطار رمضان عمداً في ثوب الحرية الفردية، و هم يعلمون أنّ النفس البشرية بطبعها ميّالة و توّاقة إلى الحرية بكل تمظهراتها.

إنّ  ما يسمّيه البعض نقاشاً هو نقاش صفري إن قبلنا جدلاً بكونه نقاشاً في الأصل، لأنّ النقاش يكون مع من يحمل أفكاراً، و ليس مع من يريد أن يفرض عنوة وجهة نظر بضعة أشخاص لا يتجاوز عددهم عدد أصابع الكفّين على ما يربو على أربعين مليون إنسان، و إن كانوا هم يطالبون بإلغاء تجريم الإفطار علناً في رمضان، فإنّ الملايين تطالب بتفعيل القانون ضدّ كلّ من يتجرّأ على اللإطار علناً دون عذر مبيح شرعاً، إذ لا مساومة في معتقدات الناس، فالفكر النقدي له مجاله و النقد النصي للكتب السماوية له أصحابه، وقد نناقش الأفكار البشرية مهما كانت و مهما بلغ شأن أصحابها، لكن مناقشة تعاليم الله عز و جلّ أمر صعب المنال و صعب التحقيق، لا سيما لمن أمرهم بيد الخارج، فالدين و القانون معاً ليسا مثل الكلأ المباح يقول فيهما من شاء بما شاء، و الدين بالخصوص لا يخضع لمنطق الرأي و الهوى، فكفّوا عن التلاعب بمعتقدات الناس، و اعلموا أن القانون فوق الجميع.

باحث في دراسات الدين و السياسة*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى