* بقلم: د. يسين العمري
إنّ انغماس العامّة في “ثقافة اللاثقافة” واكتسابهم لـ”وعي اللاوعي”، وتشتّت ذهنهم بين أمور تافهة يلهثون خلفها في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل “روتيني اليومي” وأخبار “الفضائح” وغيرها، وتراجع دور المثقفين كحاملين لرسالة تنويرية لتوجيه وقيادة المجتمعات إلى طريق الوعي، وتخلّي رجال الديّن من علماء وفقهاء ومشايخ “حقيقيين” عن دورهم الإرشادي، وانزياح الإعلام والفنّ عن تقديم رسائل توعوية وتحسيسية، وكذا قصور المجتمع المدني والأحزاب السياسية في دور تأطير المواطنين، وعدم تمكّن الرسالة التربوية في المدارس والجامعات من أداء دورها كما ينبغي، وخلل التربية داخل الأسر، وطبعا عدم الانخراط الجادّ من الدولة في ضمان عملية تنشئة اجتماعية سليمة وفعّالة تنتج نشئا متوازناً فكريا وثقافياً، دون إغفال الدور التخريبي لبعض الشبكات الإجرامية التي تبيع الأقراص المهلوسة والمخدّرات والخمور … الخ، كلّها عوامل أدّت إلى مساءلة منظومة القيم داخل المجتمع المغربي، لاسيما فيما يتعلّق بظهور أشكال غير مألوفة للانحراف من جهة والإجرام من جهة أخرى، تعتبر دخيلة على المجتمع المغربي.
1- عنصرية ضدّ موسى نداو:
إنّ الموقف العنصري الذي تعرّض له لاعب ومدرّب فريق الوداد البيضاوي سابقاً، السنغالي موسى نداو، المدرّب الحالي لفريق قراصنة الرقراق جمعية سلا، برسم مباراة هذه الأخيرة ضدّ فريق الراسينغ البيضاوي، عن الجولة التاسعة للبطولة الاحترافية في قسمها الثاني، بملعب الأب جيكو بالدّار البيضاء، حيث تعرّض نداو إلى إهانة عنصرية بسبب لون بشرته، من طرف أحد المحسوبين على الفريق البيضاوي، ممّا أدخل نداو في نوبة عصبية، حيث حاول الوصول إلى المنصة الشرفية، والاشتباك مع من أهانه، لولا تدخّل بعض الحضور، وممّا زاد الطين بلّة، هو تعرّض نداو إلى الطّرد من طرف حكم اللقاء السيد الفارق.
دعونا نتّفق أنّ مثل هذه السلوكات هي بلا شكّ خروج عن تقاليد التسامح والاختلاف والعيش المشترك بالمغرب، ومعاكسة لسياسة الدولة تجاه البلدان الإفريقية، والمقيمين الأفارقة، ويزداد الأمر ألماً، إذام ما تعلّق الأمر بشخص مقيم بالمغرب لسنوات طوال، أعطى فيها الشيء الكثير لكرة القدم المغربية، ونال حبّ جماهير الساحرة المستديرة في كلّ أرجاء المغرب. ولعلّ موجة التعاطف الرسمية والشعبية والإعلامية مع موسى نداو فيه جبر لبعض الضرر النفسي الذي تعرّض له، والذي دفعه للتفكير في لحظة غضب أن يحمل حقيبته ويغادر إلى بلده الأم.
وتبقى ردّة فعل الجهة الوصية (الجامعة الملكية لكرة القدم والعصبة الاحترافية) مقبولة إلى حدّ ما، حيث سيفتح تحقيق في الأمر، وكذلك الحال بالنسبة لردّ فعل الفرق المغربية التي سارعت للتضامن مع موسى، وهو نفس الأمر لبعض اللاعبين الأفارقة بالبطولة الوطنية، والالتراس، والنشطاء بوسائل التواصل الاجتماعي الذين دشّنوا هاشتاج “لا للعنصرية”، وغيرها من ردّات الفعل الغاضبة والمندّدة بالعنصرية، والمساندة لموسى نداو. ، دون نسيان إدارة فريق الراسينغ البيضاوي الذي اعتذرت في بلاغ رسمي، عمّا بدر من “الشخص العنصري” المحسوب عليها، وأكّدت أنها قامت بفصله عن عمله كعقاب له على تصرّفه “الشاذّ” و”الأرعن”.
ولا نملك إزاء هذه الحادثة البغيضة، إلا أن نشدّد على أهمية قيمة التسامح، والإنسانية كقاسم مشترك بين كلّ البشر، بغضّ النظر عن ألوانهم أو أجناسهم أو شرائعهم أو انتماءاتهم السياسية أو الطائفية أو غيرها.
2- مذبحة سلا:
ألف الناس سماع جريمة هنا وأخرى هناك، لاسيما مع بزوغ فجر “ظاهرة التشرميل”، وما نتج عنها من انتهاكات في حقّ الآمنين، وترويعهم، وسرقتهم بالإكراه حيناً، والاعتداء عليهم بالسلاح الأبيض تارة، والاغتصاب أحيناً، إلى آخره من تمظهرات الجريمة المرتبطة بالتعنيف باستعمال السلاح الأبيض، كلها جرائم ألفها المجتمع، ولا تكاد جريمة تخلو منها كلّ يوم، ويتمّ ربطها حيناً باستهلاك أقراص مهلوسة، وحيناً آخر بانحرافات سلوكية أو جنسية أو نفسانية… الخ.
غير أنّ جرريمة القتل الجماعي البشعة التي اهتزّت على إثرها ساكنة سلا، وباقي التراب المغربي، من هول ما ارتبط بهذه الجريمة، من تفاصيل مروّعة، شملت الذبح والتمثيل بالجثث وحرقها، بما فيها جثّة رضيع لم يتجاوز شهرين، وبقر بطن أمّه،… إلى آخره من التفاصيل المقزّزة التي انشرت بين الناس انتشار النار في الهشيم، تجعل الخيال يسرح في انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، فمهما كان السبب انتقام أو تشفٍّ أو غيرهما، ومهما كانت طبيعة منفّذ أو منفّذي هذا الفعل الجرمي سواء من ذوي السوابق العدلية أو لا، لا يملك المرء إلا أن يقف مصدوماً أمام هول هذه الجريمة التي أعادتنا إلى عصر الجاهلية، حيث كان الجيش المنتصر يمثّل بجثث الجيش المنهزم، فيجدع الأنوف ويفقأ الأعين ويبقر البطون،… الخ من الأفعال “غير الإنسانية”، التي جاء الإسلام وحرّمها، ونهى عن المُثْلَةِ بعد الحروب، بل إنّ مجرمي سلا فاتوا مقاتلي الجاهلية في ذلك، فحرقوا الجثث بعد موتها، وحتى حرمة الموت والموتى لم تشفع للقتلى غدراً وغيلة أمام أولئك القتلة المجرمين.
وما زلت أقول بعد كلّ جريمة مروّعة، أما آن للدولة تفعيل عقوبة الإعدام، إحقاقاً للعدل وإنصافاً لذوي الضحايا، حتى تبرد بعض نيرانهم؟ هل أصحاب دكاكين حقوق الإنسان يتغافلون عن كلّ ما يقع يومياً، ليركّزوا معاركهم المقدّسة في حرية البالغين لممارسة الجنس بشكل رضائي خارج إطار مؤسّسة الزواج؟ أما آن لهؤلاء أن يرعووا ويكفّوا عن معاركهم “العضوية” (نسبة للأعضاء التناسلية لا نسبة لمقولة المثقف العضوي لأنطونيو غرامشي)؟ إنّ كلّ تأخير في تفعيل عقوبة الإعدام لن ينتج سوى ما نراه من جرائم مروّعة، صادمة، متوحّشة، مقزّزة، وبربرية.
3- كارثة معمل سري بطنجة:
يجوز لنا أن نسمي بشهداء لقمة العيش، من قضوا نحبهم صبيحة اليوم بطنجة، في أحد “المعامل” السرية، من جراء تسربّ الماء، ممّا تسبّب في غرقهم، وأعود مثل كلّ مرّة إلى القول أنّ بعض من يمارسون دور “النّائحة المستأجرة”، ممّن يسارعون مباشرة باتّهام وتوجيه اللوم للدولة وحدها، هم مخدوعون مخادعون، نعم الدولة لها مسؤولية، لأنّ المفروض أنّ يغلق مثل هذا المكان الذي يشتغل في هذه الظروف، لكن أيضاً دور المشغّل أصيل، وكذلك دور العمّال أصيل، عندما تشتغل في مكان تعلم يقيناً أنّه يعمل خارج القانون، وفي ظروف مزرية وغير آدمية، فأنت أيضاً مسؤول، نعم الفقر قد يدفع الإنسان للمخاطرة بحياته ولا ريب، ولكن نحن هنا نحدّد المسؤوليات، وما لم نتحلّ بالشجاعة الكافية لفعل ذلك، وبقينا دوما نمارس خطاب المظلومية، دون تحديد المسؤوليات، والنقد الصارم، فلن نراوح أماكننا، المشغّل أيضاً في رقبته دماء أولئك المغدورين، ضحايا لقمة الخبز، كيف تقابل ربّك غداً وفي رقبتك دماء العشرات؟
أيضاً، أين دور الجيران؟ ولماذا لم يقدّموا شكايات ضدّ المشغّل؟ أين دور جمعيات حقوق الإنسان وهذا دور أصيل من الأدوار المفترض أن تلعبه، عوض “النضال العضوي”؟ أين رجال الصحافة لفضح مثل هذه الخروقات عوض التركيز على مؤخرات “روتيني اليومي” وفضائح الفنانات، وانحرافات الشواذ، على غرار إحدى القنوات الإلكترونية المعروفة ب”الواد الحارّ”؟ أين دور السلطة ومفتشي الشغل؟
خاتمة:
إنّ الفارق الزمني بين الحوادث الثلاث المشار إليها لا يتعدّى ثلاثة أيام، وهذا كفيل بدقّ ناقوس الخطر، سيفسّر هذه الأحداث كلّ من يتأمّل فيها على هواه، فرجل الدين أو الإنسان المتديّن، سيراها من باب أنّها بعد عن الدّين، وعدم الالتزام بالأوامر الإلهية، وأنّ الحلّ هو العودة إلى الطريق القويم، وسيراها الطبيب النفسي اضطرابات نفسية وسلوكية، وأنّ الحلّ جلسات علاج، وسيراها رجل القانون على أنّها جرائم وانحرافات تتطلّب المحاكمة والعقاب، وعالم الاجتماع ورجل الاقتصاد سينظران إليها على أنّها تدافعات اجتماعية تلعب فيها الطبقية دوراً هامّاً، ولا سبيل لحلّها إلا بخلق طبقة متوسطة كفيلة بحفظ التوازن بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، للتقليل من آثار الرأسمالية المتوحّشة، وسأراها على أنها خطر محدق يتربّص بمجتمع بأكمله، كل من فيه مسؤول، الدولة، المثقفون، رجال الدين، الآباء والأمهات، الأساتذة، رجال الإعلام، الفنانون، السياسيون، الفاعلون الجمعويون والحقوقيون، النشطاء بالعالم الافتراضي والمؤثّرون …. إلخ، كلّ هؤلاء مسؤول بقسط ما عمّا نراه اليوم، فما حكّ جلدك مثل ظفرك، هذه الانحرافات والجرائم نتاج تراكمات اجتماعية واقتصادية ونفسانية وتربوية، خلقها أو ساهم في ذلك المجتمع ككلّ، وإن لم نتدارك ما فات عبر استراتيجية وطنية فعّالة لإعادة تشكيل المنظومة القيمية، فسنرى المزيد والمزيد. فهل من مذّكر؟



