في الواجهةمجتمع

رقاة بين خدمة المرضى وثراء يثير الأسئلة.. من يراقب سوق الرقية؟

رقاة بين خدمة المرضى وثراء يثير الأسئلة.. من يراقب سوق الرقية؟

le patrice

السفير 24

لم تعد الرقية الشرعية في المغرب مجرد ممارسة دينية يلجأ إليها البعض بحثاً عن الطمأنينة، بل تحولت عند بعض الممارسين إلى نشاط واسع يستفيد من انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت صفحات “فيسبوك” وحسابات “تيك توك” و”يوتيوب” وسيلة لاستقطاب المرضى، وبناء الشهرة، وتحقيق مداخيل مالية مهمة.

لكن الإنصاف يقتضي التأكيد منذ البداية أن الرقاة ليسوا جميعا سواء، ولا يجوز وضعهم في سلة واحدة. ففي مراكش، يشهد للراقي حمزة والراقي عبد الرحيم بالجدية وحسن التعامل مع المرضى، كما يحظى الراقي محمد حجاجي بمدينة الجديدة والراقية لبنى بالدار البيضاء بتنويه من متعاملين معهم، خصوصا في ما يتعلق بمراعاة الظروف الاجتماعية للمرضى، بل وتقديم الرقية لبعض الحالات المعوزة دون مقابل.

غير أن الوجه الآخر للظاهرة يطرح أسئلة أكثر إحراجا، بعدما أصبح بعض الرقاة يراكمون أموالا مهمة من هذا النشاط، فيما تحدثت تقارير صحفية في حالات محددة عن رقاة دخلوا في نزاعات وقضايا نصب واحتيال مرتبطة بمبالغ مالية حصلوا عليها من أشخاص كانوا يبحثون عن العلاج.

وفي إحدى القضايا التي أثارت الانتباه، أوقفت الشرطة القضائية بالناظور راقيا وصف بأنه “مشهور” ، بعد اتهامات بالنصب على عدد من المواطنين، وذكرت تقارير صحفية أن التحقيقات ارتبطت بادعائه القدرة على علاج أمراض مستعصية، وأنه راكم أموالا من هذا النشاط قبل اقتناء شقة فاخرة بالدار البيضاء. وهذه تبقى معطيات مرتبطة بملف قضائي وليست حكما عاما على الرقاة أو إثباتا بأن كل ثروته جاءت من المرضى. 

وفي واقعة أخرى بضواحي خنيفرة، جرى توقيف راق مزعوم على خلفية شكاية تتعلق بالنصب، بعدما قالت المشتكية إنها دفعت له 30 ألف درهم مقابل علاجها من الصرع عن طريق “الرقية” عبر تطبيق واتساب، قبل أن تتقدم بشكاية بعدما لم يتحقق ما وعدت به. 

هذه الوقائع، إلى جانب ما يثار بشكل متكرر حول ارتفاع أثمان بعض جلسات الرقية، تعيد طرح سؤال جوهري: متى تكون الرقية خدمة دينية وإنسانية، ومتى تتحول إلى تجارة تستثمر في خوف المريض وحاجته إلى الشفاء؟

فالمشكلة ليست في أن يتقاضى الراقي مقابلا عن وقته، ولا في أن يحقق دخلا من عمل مشروع، وإنما تبدأ عندما يصبح المريض زبونا دائما، ويطلب منه أداء مبالغ متكررة مقابل وعود بالشفاء، أو عندما يتم إقناعه بأن كل مرض أو تعثر في الزواج أو العمل سببه السحر أو العين أو المس.

والأخطر أن بعض جلسات الرقية انتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبحت حالات المرضى أحيانا مادة للمشاهدة والاستقطاب، في وقت يفترض فيه أن تكون خصوصية المريض وكرامته فوق كل اعتبار.

وفي المقابل، فإن وجود رقاة يتعاملون بجدية وإنسانية، مثل النماذج التي سبق ذكرها، ويقدمون الرقية لبعض الحالات دون مقابل، يجعل من الضروري عدم التعميم، والتمييز بين من يعتبر الرقية مساعدة للإنسان وبين من قد يحول معاناة الناس إلى مصدر للثراء.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يفتح فيه تحقيق مهني ليس: من يملك سيارة فاخرة أو منزلا فخما؟ وإنما: من أين جاءت الأموال؟ وما طبيعة النشاط؟ وما أسعار الجلسات؟ وهل توجد شكايات أو ملفات قضائية؟ وهل يحترم المريض وخصوصيته؟ وهل يتم توجيهه إلى الطبيب عندما تكون حالته صحية أو نفسية وتستدعي تدخلا طبيا؟

فالرقية ليست المشكلة، والمال ليس المشكلة، وحتى الشهرة ليست جريمة. المشكلة تبدأ عندما يتحول خوف الإنسان ومرضه وضعفه إلى مشروع تجاري مفتوح.

ومن حق المرضى أن يبحثوا عن الطمأنينة، ومن حق الراقي أن يعيش من عمله، لكن ليس من حق أي شخص أن يجعل من معاناة المريض سلما للثراء دون ضوابط أو مساءلة.

هذا، ويبقى السؤال مفتوحا: كم من شخص دخل عالم الرقية بحثا عن خدمة الناس، وكم من آخر اكتشف أن آلام المرضى يمكن أن تتحول إلى تجارة مربحة؟ ومن يراقب هذه السوق التي تتوسع بصمت؟

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى