
السفير 24
تعيش جماعة بني يكرين بإقليم سطات، على غرار عدد من الجماعات القروية، على وقع تحديات تنموية متراكمة تفرض على المنتخبين، وفي مقدمتهم رئيس المجلس الجماعي، تقديم أجوبة واضحة حول حصيلة التدبير، ومدى قدرة الجماعة على الانتقال من تدبير الملفات اليومية إلى صناعة تنمية حقيقية تستجيب لانتظارات الساكنة.
ومنذ تولي حميد الله بوشعيب رئاسة جماعة بني يكرين، يظل السؤال الذي يفرض نفسه، ليس من باب تصفية الحسابات السياسية أو استهداف شخص بعينه، وإنما من صميم المراقبة الصحفية للشأن العام: ماذا تحقق فعلياً على أرض الواقع؟ وما هي المشاريع التي يمكن للساكنة أن تنسبها بوضوح إلى الولاية الحالية للمجلس الجماعي؟
والواقع أن الحديث عن التنمية في جماعة قروية لا يمكن اختزاله في عقد الاجتماعات، والمصادقة على المقررات، وتوقيع الوثائق الإدارية، لأن المواطن لا يقيس أداء المجالس المنتخبة بعدد الأوراق التي تمر عبر المكاتب، وإنما بما يراه في محيطه اليومي من طرق معبدة، ومرافق عمومية لائقة، ومؤسسات تعليمية تستجيب للحاجيات، وأسواق منظمة، وفرص استثمار وشغل قادرة على الحد من الهشاشة ودفع الشباب إلى البقاء والاستقرار في مناطقهم.
وفي هذا السياق، تطرح وضعية البنيات الأساسية نفسها بإلحاح، خصوصا في ما يتعلق بالطرق والمسالك، باعتبارها شريانا أساسيا لأي تنمية قروية. فالطريق ليست مجرد إسفلت، وإنما وسيلة لربط السكان بالمراكز الإدارية والصحية والتعليمية والأسواق، وتسهيل تنقل الفلاحين ونقل المنتجات، وخلق شروط حقيقية لجلب الاستثمار.
وبالموازاة مع ذلك، يظل ملف الماء الصالح للشرب واحدا من أكثر الملفات ارتباطا بالحياة اليومية للساكنة، خصوصا في الدواوير والمناطق التي قد تواجه صعوبات في الولوج إلى هذه المادة الحيوية أو في الاستفادة من شبكة منتظمة ومستقرة. وأي حديث عن تنمية حقيقية في العالم القروي يبقى ناقصا ما لم يشمل ضمان الولوج إلى الماء الصالح للشرب، باعتباره حاجة أساسية مرتبطة بكرامة المواطن وشروط العيش الكريم.
ومن هنا، يحق للساكنة أن تتساءل عن وضعية ربط دواوير بني يكرين بالماء الصالح للشرب، وعن المشاريع التي تم إطلاقها أو المساهمة فيها بهذا الخصوص، وعن الشراكات التي جرى عقدها مع المؤسسات والقطاعات المعنية، فضلا عن الآجال المحددة لمعالجة ما تبقى من اختلالات، إن وجدت. فالمواطن لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاج إلى أجوبة واضحة ومواعيد محددة وحلول ملموسة على أرض الواقع.
وبالموازاة مع ذلك، تظل قضية التعليم واحدة من الملفات التي تحتاج إلى رؤية جماعية متكاملة، ليس فقط من خلال وجود المؤسسات التعليمية، وإنما عبر العمل على تحسين محيطها، وربطها بشبكة طرق ومسالك مناسبة، وتوفير الظروف التي تساعد أبناء المنطقة على متابعة دراستهم في ظروف أفضل.
أما السوق، الذي يفترض أن يكون فضاء اقتصاديا واجتماعيا نابضا بالحياة، فلا تزال الحاجة قائمة إلى تأهيله وتحديثه بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها المنطقة. فالسوق العصري والمنظم يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية، بينما استمرار المرافق القديمة والمتقادمة لا يساعد، في المقابل، على خلق دينامية تجارية تستقطب المستثمرين وتخدم الساكنة.
ثم يأتي ملف الاستثمار، وهو ربما أحد أكبر الاختبارات أمام أي مجلس جماعي يريد أن يترك بصمته في منطقة قروية. فالجماعة لا ينبغي أن تكون فقط إدارة لتدبير الوثائق والرخص والشكايات اليومية، بل يفترض أن تكون فاعلا في البحث عن المشاريع، والتعريف بمؤهلات المنطقة، والتواصل مع المستثمرين، واستثمار العقار والمؤهلات المحلية، ونسج شراكات مع مختلف المتدخلين من أجل خلق فرص اقتصادية جديدة.
وهنا تحديدا يعود السؤال إلى رئيس المجلس الجماعي حميد الله بوشعيب: ما هي المشاريع الاستثمارية التي تم استقطابها إلى بني يكرين خلال فترة رئاسته؟ وما هي الاتفاقيات والشراكات التي تم إبرامها لفائدة الجماعة؟ وكم من مشروع تنموي كبير يمكن للساكنة أن تلمس أثره المباشر؟
والسؤال نفسه يصبح أكثر إلحاحا عندما يرتبط الأمر بالطموح السياسي للانتقال من تدبير الشأن المحلي إلى المؤسسة التشريعية. فالبرلمان ليس مجرد محطة سياسية جديدة، وإنما مسؤولية أكبر تقتضي أن يحمل المنتخب معه تجربة ميدانية وحصيلة يمكن الدفاع عنها أمام المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن انتقال رئيس جماعة بني يكرين إلى البرلمان، إن كان ذلك هو المسار السياسي الذي يسعى إليه، يطرح بالضرورة سؤالا بسيطا ومشروعا: بأي حصيلة سيقدم نفسه للناخبين؟ وماذا قدم لبني يكرين حتى يطلب من المواطنين منحه مسؤولية تمثيلهم على المستوى الوطني؟
فالمواطن الذي لم ير تحولا ملموسا في الطرق والمسالك، أو تأهيلا حقيقيا للمرافق والأسواق، أو دينامية استثمارية تخلق فرصا جديدة، أو حلا لملفات مرتبطة بالخدمات الأساسية، من حقه أن يسأل عن الأولويات وعن المشاريع وعن آجال الإنجاز.
كما أن من حقه أن يعرف أين صرفت ميزانية الجماعة، وما هي المشاريع المبرمجة، وما تم إنجازه منها، وما تعثر، ولماذا تعثر.
وفي هذا الإطار، وحتى لا يذهب البعض بعيدا في تأويل النقد الصحفي، نقولها بوضوح: “السفير 24” لا تخوض معركة شخصية مع حميد الله بوشعيب، ولا تستهدفه لذاته، وإنما تقوم بما يفرضه عليها موقعها كمنبر إعلامي يمارس دوره كسلطة رابعة في مراقبة الشأن العام وطرح الأسئلة التي تهم المواطن.
ونقولها أيضا بكل صراحة: “السفير 24” لا تباع ولا تشترى، ولا تذهب خلف دريهمات أو امتيازات أو مصالح، كيفما يحلو للبعض أن يتصور. فمهنتنا ليست سوقا للمساومة، ومهمتنا ليست التصفيق للمسؤولين، كما أنها ليست شن حملات مجانية ضدهم، وإنما هي البحث عن الحقيقة، ونقل صوت المواطن، ومراقبة تدبير الشأن العام، ووضع المسؤول أمام المرآة التي تعكس الحصيلة كما هي.
ولحميد الله بوشعيب نقول: “السفير 24” ستراقب “الشادة والإفادة”، وستسأل عن المشروع الكبير والصغير، عن الطريق والماء والسوق والمدرسة والاستثمار، وعن المال العام وأوجه صرفه، لأن هذه ليست خصومة مع الرئيس، وإنما هي وظيفة الصحافة تجاه المواطن.
وفي المقابل، فإن أبواب «”السفير 24″ مفتوحة أمام رئيس الجماعة والمجلس الجماعي لتقديم المعطيات والوثائق والأرقام التي من شأنها توضيح ما تحقق، وتصحيح ما قد يكون غير دقيق، والإجابة عن أسئلة الساكنة. فالمهنية تقتضي أن ننتقد حين يستوجب الأمر النقد، وأن ننصف حين تتوفر معطيات تستحق الإنصاف.
والنقد هنا لا يعني إصدار أحكام جاهزة، ولا يعني تحميل رئيس الجماعة وحده مسؤولية كل ما تعانيه بني يكرين، لأن التنمية المحلية مسؤولية مشتركة تتداخل فيها اختصاصات الجماعة ومجلس الإقليم والمصالح الخارجية والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية.
غير أن ذلك لا يعفي رئيس المجلس من مسؤوليته السياسية والتدبيرية في المبادرة، واقتراح المشاريع، والدفاع عن مصالح الجماعة، والبحث عن الشراكات والتمويلات، ومتابعة الملفات إلى غاية خروجها إلى أرض الواقع.
كما أن من الإنصاف التذكير بأن الحكم النهائي على أي تجربة جماعية ينبغي أن يستند إلى الوثائق الرسمية، وبرامج العمل، والميزانيات، ومحاضر الدورات، والصفقات والاتفاقيات، ونسب إنجاز المشاريع، وليس فقط إلى الانطباعات أو الخطاب السياسي.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس حملة ضد رئيس جماعة بني يكرين، وإنما كشف الحصيلة: ماذا أنجز؟ ماذا تعهد به؟ ماذا تحقق؟ وما الذي ظل حبيس الوعود والبرامج؟
فبني يكرين ليست مجرد جماعة تحمل اسما في الخريطة الإدارية لإقليم سطات، وإنما مجال ترابي يسكنه مواطنون يؤدون الضرائب وينتخبون ممثليهم، ومن حقهم أن يروا أثر أصواتهم في التنمية والخدمات والبنيات الأساسية.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتقال من كرسي رئاسة الجماعة إلى قبة البرلمان لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال في الموقع السياسي، بل يجب أن يكون ترجمة لتجربة ناجحة في تدبير الشأن المحلي.
ولذلك، يبقى السؤال مفتوحا أمام حميد الله بوشعيب، وبالدرجة نفسها أمام المجلس الجماعي: ماذا تحقق لبني يكرين خلال الولاية الحالية، وما الذي سيقدم للساكنة باعتباره حصيلة تستحق أن تكون جواز عبور نحو البرلمان؟
والجواب الأفضل، كما هو الحال دائما في العمل الصحفي المهني، لا تقدمه التصريحات ولا الشعارات، وإنما الأرقام والوثائق والمشاريع المنجزة على أرض الواقع.
يتبع..



