أقلام حرة

كيف يقتل الجهل…الأنظمة السياسية الجريئة؟؟

راضية الدباغ

أود أن أبدأ مقالي هذا بمقولة شعرية تصب في موضوع بحثي هذا “العلم يرفع بيتا لا عماد له، والجهل يهدم بيت العز والكرم “.

ولقد سحرتني حقيقة أن تاريخ المجتمع المغربي كان مسرحا مهماً للناشطين والمعارضين، وكانت الصحف تمتلئ يومياً بتغطية للقضايا التي فضحت الغش والتلاعب بالأموال والحقوق. وكنت متسائلة دائما حيال فهم لماذا يسمح نظام سياسي قيل عنه استبدادي لمثل هذه المشاركة  حتى أن تسمع وتطفو للسطح.

وبات هذا التساؤل حافزا لمقالي: ففي بلاد يفرض فيها نظام الحكم نفوذه على جميع مظاهر الحياة السياسية والتنظيمية، نجد فيها من حريات التعبير ما لا نجده في بلدان كانت نبعا للديمقراطية والحرية ؟ وتبدو فيه المفارقة أكثر إثارة للاهتمام حين يعايش المرء القرارات الجريئة والمفاجئة للمؤسسة الملكية التي صدرت في مجالات مختلفة خلال السنين القليلة الماضية.

وعملت فيها هذه الأخيرة باستمرار كي تحد من السلطات التنفيذية وتوسّع من حدود حرية التعبير وتحمي مجموعات ناشطة في المجتمع المدني من هيمنة الدولة. فضلاً عن ذلك، قدمت  الوسيلة الأكثر أهمية لأحزاب المعارضة ومجموعات حقوق الإنسان والناشطين السياسيين من كل المشارب كي تعمل بشكل فعلي وفق مضامين المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي من حيث تركيزه على الديمقراطية التشاركية .

لقد عملت المؤسسة الملكية جنبا إلى جنب مع أحزاب المعارضة في تحقيق شفافية الإنتخابات، كما بلورت مواثيق حقوق الإنسان لتدعم ضمانات هذه الأخيرة وأعطت ما أعطت من تدابير وإجراءات عملية صبت في اتجاه تحقيق عدالة انتقالية تصالحية لا تصادمية، وتحيين فعلي يكرس الحقوق والقوانين .

وبقيت المؤسسة الملكية وحتى اليوم في قلب الجدل الأكثر سخونة حول التوجّه السياسي والهوية الجوهرية  للدولة المغربية والمغاربية.

قد يقيم الباحثون عامة النظام السياسي لبلد ما  حسب سلم الإستبداد الذي وضعوه  بيادق أنظمتها، دعما لمصالح نخبها وعرقلة لجهود معارضيها. لكن يبقى تساؤلي كما هو ؟؟، ماذا عن المغرب الذي قيل عنه يحتوي على أكثر النظم الاستبدادية استمرارية في العالم ؟؟؟

لقد وجد المعارضون في المؤسسة الملكية حليفاً دائماً لهم. وهكذا كان استفساري جدليا في جميع اتجاهاته  : لماذا ولدت مؤسسة ملكية تتمتع باستقلالية كاملة من رحم نظام استبدادي كذلك قيل عنه حتى اليوم ؟ فضلاً عن ذلك، لماذا لم يعكس النظام الإستبدادي على الفور مصالحه حالما بدأت المؤسسة الملكية نشاطها وسياستها الجريئة منذ أكثر من 16 عشر سنة متحدية بذلك ما ترسب عبر السنين من تحديات الفرع التنفيذي في قضايا عالية الأهمية؟ وعلى نحو مشابه، أرجع للتساؤل: مما الخوف اليوم ؟؟ ومن هو النظام الاستبدادي؟؟ مسئولو الدولة، الجهاز التنفيذي؟ الأحزاب….المؤسسة الملكية…أم المجتمع المدني ولوبيات الضغط المحركة له ؟

يتعذر الفهم التقليدي لفهم جدلية الموقف؟؟ فمن طبيعة الأنظمة السياسية الإستبدادية احتمال ولادة قوة معارضة جريئة.لكن من غير الطبيعي أن تكون الأنظمة الإستبدادية هي نفسها المعارضة ؟ هنا كباحثة في تدبير الشأن المحلي أرصد التصوير الساخر لحقيقة الوضع في المغرب بين معارض لمعارض ومؤيد لوضع معارض،حيث يفرز لنا جدلية أخرى وليدة هذا الوضع الغير الإعتيادي في دولة قيل عنها حتى اللحظة استبدادية. فمن هي المعارضة في هذا الوضع ؟

حسب هذا المعطى فإن معظم باحثي السياسة والنظم السياسية بالمغرب يمتلكون بضعة شكوك حول غموض القانون والمؤسسات القانونية في الخلفيات الديمقراطية. وهذه مسألة إيجابية في بلد كالمغرب فمن واجب الباحثين وضع فهماً رصيناً للسياسة والنظام السياسي وأن يشككوا لا في “استبدادية النظام” وفي الخلفيات الديمقراطية فحسب، بل أيضاً في فهمنا التبسيطي لكيف تعمل المؤسسات والنظم السياسية بما فيهم المؤسسة الملكية ودورها في تسطير جدلية النظام في دولة المغرب.  إنها المهمة الأكثر إلحاحاً في هذا المفصل الحساس من تاريخ العالم، حيث بدأ الفرق بين الدول الاستبدادية والديمقراطية يخف في كثير من أنحاء العالم.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى