في الواجهةكتاب السفير

حتى لا تتكرر معاناتنا وتتعمق جراحنا!

حتى لا تتكرر معاناتنا وتتعمق جراحنا!

le patrice

السفير 24 – اسماعيل الحلوتي

      رغم أن صناديق الاقتراع أعطت في انتخابات 8 شتنبر 2021 الصدارة لثلاثة أحزاب سياسية كبرى: التجمع الوطني للأحرار 102 مقعدا، الأصالة والمعاصرة 87 مقعدا والاستقلال 81 مقعدا، بأغلبية عددية مريحة في البرلمان بغرفتيه، ناهيكم عنن هيمنتها على الجماعات الترابية والمجالس الجماعية، مما ساهم في تشكيل تحالف حكومي ثلاثي، يفترض أن يكون أكثر انسجاما وذا فعالية في تدبير الشأن العام، من حيث القدرة على الوفاء بالوعود والالتزامات، وتحقيق ما لم تستطع التحالفات الحكومية السابقة القيام به.

       ورغم أن حكومة أخنوش وصفت ب”حكومة الكفاءات”، بدعوى امتلاك أعضائها خبرات تقنية واقتصادية وتدبيرية عالية، فإن الانتقادات والاحتجاجات ظلت ترافقها منذ تعيينها في أكتوبر 2021 إلى غاية الأسابيع الأخيرة من عمرها، وذلك بسبب فشلها في مواجهة مسلسل غلاء أسعار المحروقات وانعكاسها على باقي أسعار المواد الأساسية، تدهور القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، تدني مستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية وخاصة في التعليم والصحة، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي، استفحال مظاهر الفساد والريع…

      فضلا عن اتساع رقعة الإضرابات، حيث أنها شملت أكثر القطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والقضاء وغيرها. ففي قطاع التعليم مثلا لا يمكن نسيان إضرابات نساء ورجال التعليم خلال الموسم الدراسي 2023/2024 التي شلت مؤسسات التعليم العمومي لأزيد من ثلاثة شهور، جراء تمسك وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة السابق شكيب بنموسى بالنظام الأساسي لموظفي قطاع التربية الوطنية المثير للجدل، وإصراره على رفض مراجعة الصيغة الأولى التي تمس بكرامتهم وتفرض عليهم مهاما وأعباء إضافية جديدة دون رفع الأجور…

       كما لا يمكن نسيان “حراك” طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، الذي دام أحد عشر شهرا، بسبب قرار الحكومة القاضي بتقليص الدراسة من سبع سنوات إلى ست سنوات فقط، الاكتظاظ وتدني مستوى التكوين التطبيقي والاستشفائي، حيث ظل الطلبة يقاطعون الدروس والامتحانات، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق تسوية في نونبر 2024 من خلال تدخل مؤسسة وسيط المملكة التي استطاعت إعادة الطلبة إلى أنشطتهم الدراسية المعتادة… 

       ونستحضر كذلك الوضعية غير المسبوقة التي ظلت المحاكم تعيش على إيقاعها في الأسابيع الأخيرة من عمر الحكومة، إثر توقف المحامين الشامل والمستمر عن أداء مهامهم المهنية، ليس فقط للإعلان عن رفضهم مشروع القانون رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي يرون أنه يمس باستقلالية المهنة  والهيئات المهنية، ويخالف التوافقات السابقة التي تم التوصل إليها أثناء الحوار مع وزارة العدل، ويتضمن مقتضيات  تعتبر تهديدا لجوهر العمل الحقوقي للمحامي، بل واحتجاجا أيضا على تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، التي تندرج ضمن خرجاته الإعلامية المتكررة، ولاسيما أنه يتجاوز فيها بشكل مستفز ومقصود حدود الاحترام الواجب لمهنة المحاماة ومهنييها ودورها وقواعد الاعتبار لمؤسساتها ورموزها، مما ساهم في إرباك جدولة الجلسات وإصدار أحكام في عديد القضايا دون حضور الدفاع، وأدى إلى تضرر الكثير من المتقاضين,

      وحتى نكون أكثر عدلا وإنصافا، بعيدا عن المزايدات السياسوية وأقرب إلى الموضوعية، فإنه لا يمكن الادعاء بأن حكومة أخنوش أسوأ حال من حكومتي حزب العدالة والتنمية السابقتين بقيادة كل من عبد الإله ابن كيران وخلفه سعد الدين العثماني، ولا أحسن حالا منهما، لأنها ببساطة لم ترق هي الأخرى إلى مستوى آمال وأحلام الجماهير الشعبية وخاصة تلك التي راهنت عليها كثيرا ومنحتها أصواتها، من حيث عدم قدرتها على تحسين ظروف عيش المواطنين، تجويد الخدمات الاجتماعية في الصحة والتعليم، مواجهة مسلسل غلاء الأسعار والتصدي للوسطاء و”الفراقشية”، مكافحة مختلف مظاهر الفساد والريع، وخلق فرص شغل مناسبة لجحافل العاطلين وخاصة حملة الشهادات العليا… 

      فمن خلال ما سلف ذكره عن ضعف الأداء الحكومي وعدم القدرة على الوفاء بالوعود والالتزامات، سواء بالنسبة للحكومة الحالية أو الحكومتين السابقتين، يمكن الجزم بأنه ليس هناك من شك في وجود منتخبين كثر يستخفون بالمسؤولية المنوطة بهم، كما يتضح مما باتت تشهده الساحة السياسية والقضائية من متابعات قضائية لعشرات المنتخبين والبرلمانيين ورؤساء الجماعات والمجالس الجماعية من مختلف الألوان السياسية أمام محاكم جرائم الأموال والقضاء الإداري، بتهم تتعلق بتبديد واختلاس أموال عمومية، الارتشاء، التزوير والتلاعب بالصفقات العمومية وسوء التسيير الإداري والمالي وغيره…

      بيد أن ما لا ينبغي تجاهله هو أن هؤلاء الفاسدين وغير الجديرين بالثقة لم تقطر بهم السماء في غفلة منا، بل نحن من أوصلناهم بأصواتنا إلى الحكومة والبرلمان والمجالس والجماعات. لذلك طالما دعا الملك محمد السادس في خطبه السامية إلى ضرورة الاحتكام إلى ضمائرنا في الانتخابات، التي تمنحنا سلطة القرار في انتقاء ممثلينا من المرشحين الأكفاء والنزهاء، حتى لا نضطر إلى التبرم والتشكي من سوء التدبير أو ضعف الخدمات الأساسية…

      ومسك الختام ما ورد في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 62 لثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 2015، حيث أكد بأن التصويت يجب ألا يكون لصالح المرشح الذي يرفع صوته ويطلق الكلام على عواهنه، وإنما لمن تتوفر فيه شروط الكفاءة والنزاهة والمصداقية. وهو إلى جانب كونه حقا وواجبا وطنيا، يعتبر سلاحا قويا بين أيدي الناخبين لتغيير طرق التسيير في الاتجاه الصحيح. فهل نحن مستعدون لقطع الطريق في انتخابات 23 شتنبر 2026 على أولئك الذين ما انفكوا يكرسون معاناتنا ويعمقون جراحنا؟

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى