في الواجهةكلمة السفير

حين يصبح الغازوال عبئا على المغاربة.. من يحمي القدرة الشرائية؟

حين يصبح الغازوال عبئا على المغاربة.. من يحمي القدرة الشرائية؟

السفير 24 – بقلم: حسن راقي – مدير النشر

لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب مجرد خبر اقتصادي عابر، ولا مجرد رقم يتغير على واجهات محطات الوقود مع بداية كل شهر، بل تحول إلى مصدر قلق يومي يثقل كاهل الأسر المغربية، ويستنزف مداخيل المهنيين، ويهدد ما تبقى من القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع. فحين يبلغ سعر لتر الغازوال مستويات تقترب من 17 درهما في عدد من المحطات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بأصحاب السيارات، وإنما بمسألة تمس حياة المواطن في تفاصيلها اليومية، من كلفة التنقل إلى أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية والخدمات.

إن خطورة ارتفاع أسعار الغازوال تكمن في أن تأثيره لا يتوقف عند حدود مستعملي السيارات والشاحنات، بل يمتد إلى مختلف حلقات الاقتصاد الوطني. فالنقل يشكل شريانا أساسيا لحركة السلع والأشخاص، وكل زيادة في كلفته تجد طريقها، عاجلا أم آجلا، إلى جيوب المستهلكين. وهكذا، يجد المواطن نفسه أمام موجة غلاء متواصلة، يدفع ثمنها عند محطة الوقود، وفي الأسواق، وعند اقتناء أبسط الحاجيات اليومية، بينما تظل مداخيله في كثير من الحالات عاجزة عن مواكبة هذا التصاعد المتسارع في الأسعار.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: إلى متى ستظل الحكومة تكتفي بتفسير ارتفاع أسعار المحروقات بتقلبات الأسواق الدولية، دون أن تقدم للمغاربة إجراءات استثنائية وملموسة تخفف من وطأة هذه الأزمة؟ صحيح أن المغرب بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد المحروقات، وأن الأسعار الدولية وسعر صرف العملة وكلفة الشحن والتأمين عوامل تؤثر في كلفة التموين، لكن هذه المعطيات لا يمكن أن تتحول إلى مبرر دائم لغياب سياسة وطنية أكثر جرأة وفعالية في حماية المستهلك.

لقد أصبح من غير المقبول أن يشعر المواطن بأنه الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة، يتحمل فيها وحده تداعيات الأزمات الدولية، بينما ينتظر من الحكومة أن تكتفي بشرح الأسباب وتقديم الأرقام. فالمسؤولية الحكومية لا تقف عند حدود تشخيص الوضع، بل تقتضي البحث عن حلول، واستعمال مختلف الآليات القانونية والاقتصادية المتاحة لضمان التوازن بين استمرارية التموين، ومصالح الفاعلين الاقتصاديين، والحق المشروع للمواطن في أسعار معقولة.

والأكثر إثارة للانتباه أن النقاش حول المحروقات عاد بقوة إلى المؤسسة التشريعية، في الوقت الذي تتواصل فيه شكاوى المواطنين من الزيادات المتتالية. فقد رفض وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، مقترحات تسقيف أسعار المحروقات والعودة إلى نظام المقاصة، معتبرا أن إعادة العمل بهذا النظام قد تكلف ميزانية الدولة ما بين 50 و70 مليار درهم، وأن تلك الموارد يمكن توجيهها إلى قطاعات اجتماعية وخدمات عمومية أخرى. كما دافع عن تعزيز المنافسة وتطوير قدرات التخزين باعتبارهما مدخلين لمعالجة اختلالات السوق.

غير أن تقديم الكلفة المالية لأي إجراء لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته. فإذا كانت العودة الشاملة إلى دعم المحروقات مكلفة، فهل يعني ذلك أن الحكومة لا تملك بدائل؟ وهل يتعين على الأسر المغربية والمهنيين والتجار وصغار المقاولين تحمل كل هذه الأعباء إلى حين تحسن الظروف الدولية؟ إن الحكامة الحقيقية تقتضي دراسة مختلف الخيارات، ومقارنة كلفتها الاجتماعية والمالية، واختيار التدابير الأكثر عدلا ونجاعة، لا الاكتفاء برفض المقترحات دون تقديم بدائل عاجلة يشعر المواطن بأثرها.

ومن هنا، تبرز ضرورة فتح نقاش جدي حول إمكانية تسقيف هوامش الربح أو ضبطها وفق قواعد شفافة ومؤشرات موضوعية، وليس بالضرورة فرض سعر موحد بشكل اعتباطي أو تجاهل كلفة الاستيراد والتخزين والتوزيع. فالمطلوب هو معرفة ما إذا كانت الهوامش المطبقة تتناسب فعلا مع التكاليف والمخاطر التجارية، أم أن هناك مستويات من الأرباح تستوجب المراجعة والتدخل. كما أن حماية المنافسة لا تعني ترك السوق دون رقابة، بل تعني ضمان تكافؤ الفرص، ومنع الاتفاقات المنافية للمنافسة، والتصدي لكل استغلال تعسفي لوضع مهيمن أو ممارسات من شأنها الإضرار بالمستهلك.

وفي هذا الإطار، لا بد من التذكير بأن مجلس المنافسة سبق أن أعلن عن تشديد تتبع سوق المحروقات، ومراقبة كيفية انتقال تغيرات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية، مع الانتقال إلى تتبع شهري للأسعار وهوامشها على مختلف مستويات التموين والتسويق. وهي خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى مواكبة عملية ونتائج واضحة للرأي العام، حتى لا يبقى المواطن أمام أسعار متغيرة دون أن يعرف الأسس التي تحددها، ولا حجم تأثير كلفة الاستيراد والتخزين والضرائب والتوزيع في السعر النهائي.

إن المغاربة لا يطالبون باستهداف شركات بعينها، ولا بمصادرة حق المستثمرين في تحقيق أرباح مشروعة، وإنما يطالبون بالشفافية والإنصاف وتكافؤ الفرص. ومن غير المقبول، في المقابل، أن تتحول أي أزمة دولية إلى مناسبة لتوسيع هوامش الربح على حساب المستهلك، إذا ثبت وجود ممارسات مخالفة للقانون أو زيادات لا تبررها الكلفة الحقيقية. لذلك، فإن الضرب بيد القانون على كل من يثبت تورطه في الاحتكار أو التواطؤ أو المضاربة غير المشروعة يجب أن يكون موقفا حازما، بعيدا عن التعميم والتشهير، وقائما على التحقيق والمحاسبة والشفافية.

ومن القضايا التي لا يمكن تجاوزها في هذا النقاش ملف مصفاة “لاسامير” بالمحمدية، الذي ظل لسنوات عنوانا لسؤال استراتيجي يتعلق بالأمن الطاقي للمغرب. فتعطل نشاط التكرير منذ سنة 2015 جعل المملكة تعتمد على استيراد المنتجات النفطية المكررة، وهو ما يطرح ضرورة إعادة تقييم الخيارات الوطنية في مجال التكرير والتخزين والتوزيع. ولا يعني ذلك أن إعادة تشغيل المصفاة قرار بسيط أو أن فتح أبوابها سيتم بمجرد إعلان سياسي، إذ إن الأمر يرتبط بوضعيتها القانونية والمالية، وحاجتها إلى استثمارات وإصلاحات تقنية، فضلا عن شروط الجدوى الاقتصادية والتنافسية.

لكن صعوبة الملف لا تبرر تركه رهين الانتظار إلى أجل غير مسمى. فالمطلوب من الحكومة أن تقدم للمغاربة رؤية واضحة بشأن مستقبل “لاسامير”، وأن تعلن عن الدراسات المنجزة والسيناريوهات الممكنة، وأن توضح ما إذا كانت هناك خطة لإعادة تشغيلها أو استثمار أصولها أو اعتماد صيغة أخرى تعزز القدرات الوطنية في التكرير والتخزين. فالأمن الطاقي ليس ترفا سياسيا، بل جزء من السيادة الاقتصادية، ومن قدرة البلاد على مواجهة الاضطرابات الدولية والتقليل من هشاشة منظومتها التموينية.

وبالموازاة مع ذلك، لا بد من الاستثمار في بناء وتوسيع مخزونات المحروقات، وتحسين شروط الولوج إلى مرافق التخزين أمام الفاعلين الجدد، لأن تركيز هذه القدرات في يد عدد محدود من الشركات قد يحد من دخول منافسين جدد ويضعف الضغط التنافسي. كما يتعين تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين آليات الشراء والتعاقد، وتطوير الرقابة على المخزون الاستراتيجي، حتى لا يبقى المغرب معرضا بالدرجة نفسها لتقلبات الأسواق الدولية واضطرابات سلاسل التوريد.

أما على المستوى الجبائي، فإن الحكومة مطالبة بإعادة النظر في الخيارات الممكنة لتخفيف العبء عن المستهلك، سواء من خلال مراجعة مؤقتة ومدروسة لبعض الضرائب المفروضة على المحروقات، أو عبر آليات أخرى تضمن انتقال أي تخفيض إلى السعر النهائي. فلا جدوى من إجراء ضريبي لا ينعكس على المواطن، ولا معنى لتنازل من خزينة الدولة إذا انتهى أثره إلى حلقات أخرى من سلسلة التوزيع. لذلك، فإن أي تخفيض ضريبي ينبغي أن يكون مصحوبا بآلية واضحة للتتبع والتقييم والمراقبة.

كما أن دعم مهنيي النقل، رغم أهميته في الحفاظ على استمرارية الخدمات وتفادي انتقال جزء من ارتفاع الكلفة إلى أسعار السلع، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن معالجة الاختلالات البنيوية في سوق المحروقات. فالمطلوب هو تقييم أثر هذا الدعم ومدى وصوله إلى مستحقيه، وضمان ألا يقتصر التدخل العمومي على فئات مهنية دون غيرها، في وقت تتضرر فيه الأسر محدودة الدخل، والعاملون في القطاع غير المهيكل، وصغار التجار والحرفيون، والفلاحون، وأصحاب المقاولات الصغيرة جدا، وسائقو سيارات الأجرة والنقل المدرسي والمهنيون الذين يعتمد دخلهم اليومي على التنقل.

إن العدالة الاجتماعية تقتضي ألا تختزل القدرة الشرائية في فئة واحدة، لأن الغلاء لا يميز بين مواطن وآخر. فالأجير الذي يتقاضى أجرا محدودا، والمتقاعد الذي يعتمد على معاشه، والأرملة التي تعيل أبناءها، والشاب الباحث عن فرصة عمل، والفلاح الذي يواجه ارتفاع كلفة الإنتاج، والتاجر الصغير الذي تتقلص هوامش ربحه، جميعهم معنيون بهذه الأزمة. ومن ثم، فإن أي سياسة حكومية ناجعة يجب أن تنطلق من حماية المجتمع بمختلف فئاته، لا من تدبير الأزمة بمنطق الحسابات الظرفية وحدها.

وليس من الإنصاف أيضا أن نطالب المواطن بترشيد استهلاكه وتحمل تبعات الظرفية، دون أن نطالبه في المقابل بأن يرى إجراءات حقيقية لمحاربة الغلاء في الأسواق. فارتفاع كلفة النقل قد ينعكس على أسعار الخضر والفواكه والمواد الأساسية، لكن ذلك لا ينبغي أن يصبح مبررا لزيادات عشوائية أو غير مبررة. وهنا تبرز مسؤولية أجهزة المراقبة في تتبع مسارات التوزيع، ورصد الاختلالات، والتصدي للمضاربات غير المشروعة، وضمان احترام قواعد المنافسة وحماية المستهلك.

ومن واجب الحكومة كذلك أن تتعامل مع ملف المحروقات باعتباره جزءا من أزمة أوسع تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وأن تضع خطة متكاملة لمواجهة الغلاء، تشمل مراقبة الأسواق، وتعزيز العرض، ومحاربة الوسطاء غير الضروريين والممارسات غير القانونية، ودعم الإنتاج الوطني، وتحسين سلاسل التوزيع، مع تسريع برامج الحماية الاجتماعية وتوجيه الدعم المباشر إلى الفئات الأكثر هشاشة وفق معايير عادلة وشفافة.

إن الثقة بين المواطن والمؤسسات لا تبنى بالتصريحات وحدها، بل بالقرارات التي يلمس أثرها في حياته اليومية. وحين يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة لحمايته من الاختلالات، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن المؤسسات تراقب الأسواق وتحاسب المتلاعبين، يصبح أكثر استعدادا لتفهم صعوبة الظرفية الاقتصادية. أما حين تتكرر الزيادات ويظل الغموض سيد الموقف، فإن الإحساس بالإنصاف يتراجع، وتتسع الفجوة بين انتظارات المجتمع والقرارات الحكومية.

لسنا أمام دعوة إلى قرارات شعبوية أو إجراءات غير محسوبة قد تثقل ميزانية الدولة أو تضر باستقرار التموين، بل أمام مطالبة مشروعة بسياسة عمومية شجاعة توازن بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. فالحكومة مطالبة اليوم بتقديم أجوبة واضحة: ما حقيقة مكونات سعر الغازوال؟ ما حجم الضرائب والرسوم؟ كيف تتحدد هوامش الاستيراد والتخزين والتوزيع؟ ما نتائج مراقبة مجلس المنافسة؟ وما الإجراءات التي ستتخذها إذا ثبت وجود ممارسات تضر بالمستهلك؟ ثم ما الجدول الزمني لمعالجة ملف “لاسامير” وتعزيز المخزون الاستراتيجي؟

إن حماية القدرة الشرائية ليست شعارا انتخابيا، ولا امتيازا تمنحه الحكومة للمواطن متى سمحت الظروف، بل مسؤولية دستورية وسياسية وأخلاقية تقتضي جعل كرامة الإنسان واستقراره الاجتماعي في صلب الاختيارات العمومية. ومن حق المغاربة أن ينتظروا من حكومتهم قرارات جريئة، لا أن يظلوا رهائن تقلبات الأسعار وتبريرات السوق.

لقد آن الأوان للانتقال من منطق تفسير الأزمة إلى منطق تدبيرها، ومن الاكتفاء بتشخيص الأسباب إلى اتخاذ قرارات ملموسة. فالمطلوب ليس معاقبة الاستثمار أو استهداف الشركات، وإنما فرض احترام القانون، وضمان منافسة حقيقية، وربط الأرباح بالمسؤولية، وجعل المستهلك في قلب المعادلة الاقتصادية.

إن الوطن لا يقاس فقط بمؤشرات النمو والاستثمار، بل أيضا بمدى قدرة مواطنيه على العيش بكرامة، وتأمين حاجيات أسرهم، والتنقل والعمل دون أن تتحول أبسط ضروريات الحياة إلى عبء يفوق طاقتهم. وحين تصبح لقمة العيش والقدرة على التنقل مصدر قلق يومي للمغاربة، فإن التدخل لم يعد خيارا سياسيا مؤجلا، بل واجبا وطنيا لا يحتمل مزيدا من الانتظار.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى