في الواجهةكتاب السفير

أسوأ مباراة شطرنج لعبها الدب الروسي في تاريخه

أسوأ مباراة شطرنج لعبها الدب الروسي في تاريخه

السفير 24 – نورالدين زاوش

مِن شدة ولعي بلعبة الشطرنج، شاهدتُ، على مدى ثلاثة عقود، مئات المباريات لأبطال العالم الروسيين الذين استحوذوا على اللعبة لقرابة قرن من الزمن؛ شاهدتُ مباريات “ألكسندر أليخين” و”بوريس سباسكي” و”أنتولي كاربوف” و”غاري كاسبروف” وغيرهم؛ إلا أن أسوأ مباراة شاهدتها على الإطلاق، هي مباراة “فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين”، والتي جرت الجمعة الأخيرة على رقعة الأمم المتحدة؛ ذلك أن الدب الروسي الذي أراد أن يحمي الاستفتاء تسبب في إقباره إلى الأبد، ورفض أن يُحذف من اسم بعثة “المينورسو” الحرف الدال على الاستفتاء، فكان ذلك سببا في حذف جميع الحروف بدون استثناء؛ الأمر الذي يدل على أن نقلة “الفيتو” لم تكن نقلة عبقرية؛ بل كانت أسوأ نقلة لعبتها الدبلوماسية الروسية على الإطلاق.

لحظات بعد صدور “الفيتو” الروسي المشفوع بالفيتو الأمريكي، وقبل حتى أن تبدأ “الاحتفالات” في الفضاءات المخصصة لطوابير العدس والزيت والسميد وأشياء أخرى، خرج بلاغ الديوان الملكي ليُعرب عن ارتياحه من تطور الأوضاع، ويؤكد أن مرحلة الجمود التي طبعت أروقة الأمم المتحدة طيلة 35 سنة قد انتهت بلا رِجعة، وأن بعثة “المينورسو” غير مرحب بها، وأن الدورات المنتظمة لمجلس الأمن وإحاطات المبعوث الأممي بلا طائل، وأن المغرب سيعتزم نفس النهج في باقي الهيئات الأممية في أقرب الأوقات.

إن بلاغ الديوان الملكي لا يتحدث عن ردة فعل غير محسوبة، ولا ينسج موقفا سياسيا مرتجلا ليرد على خدعة روسية قد تبدو مفاجأة؛ بل يجيب على نقلة “الفيتو” الروسي، التي حتى ولو كانت غير محتملة فهي واردة في حسابات أعرق دبلوماسية في العالم، ناهيك عن أنها كانت معروفة مسبقا مثلما صرح بذلك وزير الخارجية المغربي، والأكثر من ذلك أن الدبلوماسية المغربية لم تتدخل لتصحيح نقلات روسيا السيئة.

ربما كان الكرملين يعتقد أن اللجوء إلى حق النقض سيجر أمريكا إلى المربع الأول من المشاورات حول المسودة، وستكون هذه الأخيرة مجبرة على التخفيف من وطأة البنود التي جاء بها القرار، ومن بينها تغيير مهام البعثة الأممية وطبيعتها، وإشراك أطراف صحراوية أخرى في التفاوض، وفرض إجراء إحصاء اللاجئين، مما يُخَول إدامة الصراع إلى غاية نزول المسيح عليه السلام؛ إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن قصر المرادية.

مباشرة بعد انتهاء اللعبة التي لم تكن مدروسة بشكل جيد، صرح سفير الولايات المتحدة الأمريكية بأنه سيعمل مع الأمين العام من أجل تمكين البعثة الأممية من انسحاب آمن ومسؤول؛ وبأن نقطة البداية التي كان قرار روسيا يأمل في الوصول إليها وجدها نقطة النهاية، ووجد عندها أسد المشور السعيد، جلالة الملك حفظه الله.

لقد قلّم بلاغ الديوان الملكي أظافر الدب الروسي حينما وصف بعثة المينورسو بأنها “الموروثة عن سياق عفا عنه الزمن”، في إشارة واضحة إلى مخلفات الحرب الباردة التي خسرتها روسيا، وخسرت معها الهيمنة والريادة على المستوى الدولي،  وكأن لسان حال البلاغ يصف قرار روسيا بأنه من تقاليد الاتحاد السوفياتي البالية التي أكل عليها الدهر وشرب.

العجيب أن يضم نص بلاغ الديوان الملكي 35 فاصلة، بعدد السنوات التي ظل فيها ملف الصحراء يُراوح مكانه في أروقة الأمم المتحدة، وكأن هذه السنوات العجاف مجرد فواصل لا معنى لها ولا فائدة منها؛ سوى أن تتيح للقارئ محطة لاسترجاع النَّفَس ومتابعة المسير، والأعجب منه أن يلعب الدب الروسي أسوأ مبارياته في سنةٍ خلدت فيها جاريتُه الجزائر الذكرى الرابعة والستين لتأسيسها، أي بعدد مربعات رقعة الشطرنج.

رئيس جمعية المعرفة أولا*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى