
السفير 24
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، بدأت ملامح المنافسة الانتخابية بإقليم سطات تتضح بشكل أكبر، مع بروز عدد من الأسماء التي تحمل تجارب ومسارات مختلفة، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أساسي لا ينبغي أن يظل حبيس الشعارات والحملات الانتخابية: ماذا قدم كل مرشح فعليا، وما الذي يمكن أن يضيفه إلى المؤسسة التشريعية؟
ومن هذا المنطلق، ترى “السفير 24” أن تقييم المرشحين لا ينبغي أن يقوم فقط على عدد السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية، ولا على حجم الحضور السياسي أو الانتخابي، وإنما بالدرجة الأولى على الحصيلة، والإنجاز، والكفاءة، والقدرة على الترافع وتحويل المسؤولية إلى نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم عثمان بادل، الذي راكم تجربة في تدبير الشأن العام، خصوصا من خلال رئاسته للمجلس الإقليمي لبرشيد، إلى جانب تكوينه الأكاديمي وحضوره المؤسساتي.
فبادل لم يدخل السباق الانتخابي من فراغ، وإنما يأتي إلى سطات حاملا تجربة في مؤسسة ترابية إقليمية، وهي تجربة يفترض أن تكون قد منحته معرفة عملية بآليات التدبير، وإعداد المشاريع، والتعامل مع الإدارات والمؤسسات، فضلا عن الاحتكاك المباشر بالإكراهات التي تواجه الجماعات والمجالات القروية والحضرية.
كما أن انتخاب عثمان بادل رئيسا للمجلس الإقليمي لبرشيد سنة 2021 خلفا لنور الدين البيضي، بأغلبية مطلقة، يشكل محطة أساسية في مساره السياسي والمؤسساتي.
لكن، وبعيدا عن التقديم النظري، فإن السؤال الحقيقي يبقى مرتبطا بما تحقق على أرض الواقع خلال هذه المرحلة.
وهنا تحديدا، فإن الدفاع عن تجربة بادل لا يعني إعفاءها من المساءلة، بل يعني وضعها أمام الحصيلة. فقد سبق أن أثيرت حول تدبير المجلس الإقليمي لبرشيد انتقادات إعلامية، كما أن بادل نفسه أكد سنة 2025 أن تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية التي أخضعت حسابات المجلس للتدقيق لم تتضمن، حسب تصريحه، ملاحظات بشأن اختلالات مالية في تدبير الصفقات وسندات الطلب.
وبالتالي، فإن تقييم تجربة بادل ينبغي أن يتم من خلال ما أنجزه المجلس فعليا، وحجم المشاريع والبرامج التي ساهم في إخراجها، ومدى استفادة الإقليم منها، وليس من خلال حملات التشكيك أو الأحكام المسبقة.
وفي المقابل، إذا كان معيارنا هو الحصيلة، فإن من حق الرأي العام أيضا أن يطرح السؤال نفسه على المصطفى القاسمي.
فالقاسمي ليس وجهاً جديداً على السياسة المحلية، بل راكم سنوات طويلة من المسؤوليات، من بينها عضوية مجلس النواب عن دائرة سطات، والاستشارة البرلمانية، ورئاسة المجلس الإقليمي لسطات، ونائب رئيس جهة الشاوية ورديغة، فضلا عن رئاسة جماعة أولاد فارس الحلة لولايتين. وهذه المسؤوليات المتعددة تمنحه بلا شك تجربة سياسية ومؤسساتية مهمة.
غير أن كثرة المسؤوليات لا ينبغي أن تتحول في حد ذاتها إلى شهادة نجاح.
فكلما طال عمر التجربة، ارتفع معها سقف الأسئلة حول الحصيلة: ماذا تحقق لسطات؟ ما المشاريع التي تم الدفاع عنها؟ ما الملفات التي تم الترافع بشأنها؟ وما أثر الحضور البرلماني والسياسي على حياة المواطنين؟
ومن الإنصاف القول إن القاسمي كانت له مبادرات برلمانية، من بينها توجيه أسئلة كتابية للحكومة حول قضايا مرتبطة بالإقليم، وهو ما يؤكد حضوره داخل المؤسسة التشريعية.
لكن السؤال الذي سيبقى مطروحا على الناخبين هو: هل تكفي المبادرات البرلمانية والأسئلة والمداخلات وحدها لتقييم تجربة امتدت لسنوات، أم أن المطلوب هو ربطها بنتائج ملموسة على أرض الواقع؟
أما بوشعيب حميد الله، رئيس جماعة بني يكرين، فيدخل بدوره المنافسة برصيد من التجربة في تدبير الشأن الجماعي والقرب من الساكنة.
غير أن تجربة الجماعة تطرح بدورها مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها بالشعارات.
فإذا كانت جماعة بني يكرين قد عرفت، بحسب معطيات منشورة، بعض المشاريع المرتبطة بالماء وحفر الآبار وتزويد عدد من الدواوير بالماء، فإن استمرار طرح قضايا الماء والطرق والخدمات الأساسية في عدد من المناطق يفرض سؤالاً واضحا حول مدى شمولية هذه المشاريع ونجاعتها واستدامتها.
وهنا لا يتعلق الأمر بتحميل رئيس الجماعة وحده مسؤولية كل الإكراهات، لأن عددا من الملفات يرتبط بتدخلات مؤسسات وقطاعات متعددة، لكن المسؤول المنتخب مطالب بأن يشرح للساكنة ما الذي استطاع إنجازه، وما الذي تعذر عليه، ولماذا، وما هي الحلول التي اقترحها أو دافع عنها.
والأكثر حساسية هو استمرار معاناة بعض الدواوير من مشاكل الماء والطرق، وهي ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر. كما أن ما يثار حول مخاطر العقارب وما ينجم عنها من إصابات، بما فيها حالات تخص الأطفال، يجعل ملف الصحة والوقاية والتدخل الاستعجالي جديرا بمزيد من الاهتمام، بدل أن يبقى مجرد موضوع موسمي.
وهنا تحديدا يظهر الفرق بين التجربة التي تقاس بعدد سنوات المسؤولية، والتجربة التي تُقاس بما تركته من أثر.
فالناخب في سطات لا يحتاج فقط إلى مرشح يقول إنه صاحب تجربة، بل يريد أن يعرف ماذا فعل بهذه التجربة.
ومن هذه الزاوية، تبدو عناصر قوة عثمان بادل مرتبطة بمزيج بين التكوين الأكاديمي والتجربة المؤسساتية. فهو يحمل شهادة الدكتوراه، وراكم تجربة في تدبير مؤسسة إقليمية، ما يمنحه، نظرياً وعملياً، أدوات مختلفة للتعامل مع الملفات القانونية والمالية والمؤسساتية.
لكن الأهم من ذلك أن هذه المؤهلات ستكون مطالبة بالتحول إلى ترافع برلماني حقيقي عن سطات، والدفاع عن ملفات الماء والطرق والصحة والتعليم والاستثمار والتشغيل، وغيرها من الملفات التي تنتظر حلولاً فعلية.
وهنا يمكن القول إن المنافسة المقبلة لا ينبغي أن تتحول إلى مسابقة في الأقدمية السياسية، وإنما إلى مقارنة بين الحصيلة والقدرة والكفاءة والرؤية.
فالقاسمي مطالب بأن يقدم كشفا واضحا بما راكمه خلال سنوات من المسؤولية البرلمانية والمنتخبة.
وحميد الله مطالب بدوره بتقديم جواب مقنع حول حصيلة تدبير جماعة بني يكرين، خصوصا في الملفات التي ما زالت تثير قلق الساكنة، وفي مقدمتها الماء والطرق والخدمات الأساسية.
أما عثمان بادل، فعليه أن يقدم حصيلة تجربته في المجلس الإقليمي لبرشيد، وأن يشرح للناخب السطاتي ماذا يمكن أن ينقل من تلك التجربة إلى إقليم سطات، وما هي المشاريع والملفات التي سيجعلها في صدارة أولوياته.
وهنا تصبح المنافسة أكثر وضوحا: ليس المهم من يملك سنوات أكثر في السياسة، وإنما من يستطيع أن يثبت أن سنوات المسؤولية تحولت إلى نتائج.
و”السفير 24″، التي سبق لها أن وجهت انتقادات مهنية إلى عثمان بادل عندما رأت ما يستوجب النقد، لا ترى أي تناقض في إبراز نقاط قوته اليوم. فالصحافة المهنية ليست خصومة دائمة مع المسؤول، كما أنها ليست منصة للمديح المجاني، وإنما وظيفتها وضع التجارب أمام الرأي العام ومساءلتها بالمعايير نفسها.
وعليه، فإن الإنصاف يقتضي أن يمنح بادل حق الدفاع عن حصيلته، كما ينبغي أن يطلب من القاسمي وحميد الله تقديم حصيلتهما للرأي العام، حتى يكون المواطن أمام مقارنة حقيقية لا أمام مجرد أسماء وشعارات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع: من يملك التجربة فقط، ومن استطاع أن يحول تجربته إلى حصيلة، ومن يملك إلى جانب ذلك التكوين والكفاءة والقدرة على الترافع وصناعة القرار؟
وفي إطار مواصلة مواكبتها للمشهد الانتخابي بإقليم سطات، ستتطرق “السفير 24” في مقالات لاحقة إلى مرشحين آخرين، وستعمل على قراءة مساراتهم وتجاربهم وحصائلهم، وفق المعيار نفسه: ماذا تحقق على أرض الواقع، وماذا بقي مجرد وعود؟
يتبع..



