
السفير 24 – عزيز رباح
استنطاق للذاكرة السيادية واستحضار لأمجاد التاريخ المغربي
في مشهد جليل خلال الحفل الديني الذي ترأسه أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالرباط إحياءً لذكرى المولد النبوي الشريف، جاءت كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، لتشكل محطة فكرية وسياسية لافتة تجاوزت الطابع الاحتفالي البحت؛ إذ حملت في طياتها إشارات عميقة تتصل بمدينة سبتة المحتلة وبتاريخ التعبئة الوطنية للمغاربة في سبيل تحرير أراضيهم المستلبة، معيدةً الوصل المتين بين ماضي الأمة وحاضرها السيادي.
سبتة.. حاضرة العلم والإشعاع الحضاري
سلطت كلمة الوزير الضوء على المكانة الرفيعة التي تحتلها حاضرة سبتة في الوجدان المغربي والإسلامي، مؤكدة أنها لم تكن قط مجرد حيز جغرافي عابر، بل شكلت قلعة علمية وروحية كبرى أنجبت أقطاباً وفحولاً طبعوا الفكر الإسلامي العالمي بمداد الفخر والاجتهاد؛ من أمثال القاضي عياض، صاحب السفر الخالد “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وأبي العباس العزفي، صاحب “الدر المنظم”. وهو عمق حضاري يعكس تجذر الانتماء والارتباط الوثيق لهذا الثغر المرابط بالهوية المغربية الأصيلة.
التراث الروحي ورمزية التعبئة التاريخية
ولم تقف الكلمة عند حدود استحضار الماضي العلمي، بل امتدت لتلامس الذاكرة الجهادية والتعبوية للمغاربة، مذكرة بالدور التاريخي المحوري الذي لعبه مصنف “دلائل الخيرات” للإمام محمد بن سليمان الجزولي. فقد تحول هذا الأثر الروحي الوازن، في مفترقات الطرق التاريخية، إلى شعار جامع لتوحيد وجدان المغاربة واستنهاض عزمهم للتصدي للاحتلال الإيبيري، وهو مسار ينسجم تمام الانسجام مع المضامين السامية للرسائل الملكية الموجهة للمجلس العلمي الأعلى، والتي طالما أبرزت دور هذا التراث في معارك الذود عن حمى الوطن.
علماء المغرب.. درع الحماية والوعي الوطني
تؤكد هذه الإشارات الموفقة حقيقة تاريخية راسخة تتمثل في الدور الطلائعي الذي اضطلع به علماء الأمة المغربية والوعي الديني السديد في حماية حوزة الوطن وصيانة كيانه. فلم يكن الفقه والعلم يوماً بمعزل عن هموم المجتمع وقضاياه المصيرية، بل شكلا الحصن المنيع للإشعاع الحضاري والبوصلة الموجهة نحو ترسيخ السيادة والدفاع عن ثوابت البلاد ومقدساتها.
أبعاد سياسية واستراتيجية لخطاب الذاكرة
إن اختيار هذا الحفل الرسمي الرفيع لإثارة هذه المعاني التاريخية يضفي عليها حمولة سياسية واستراتيجية بالغة الدلالة. فهي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قضية المدينتين المحتلتين (سبتة ومليلية) تظل حية وراسخة في الوجدان المؤسساتي والرسمي للدولة، حيث تُوظّف السردية التاريخية والروحية لتثبت ثبات الموقف المغربي المدافع عن حقوقه المشروعة وسيادته التامة، مبرزةً أن الذاكرة الوطنية تظل متقدة لا تذبل، وتشكل السند القويم والمرجعية التاريخية والحافز المحرك لاستكمال السيادة واستدامتها.



