في الواجهةكتاب السفير

قوانين بلا أجنحة

قوانين بلا أجنحة

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – بقلم: عزيز لعويسي

دخل القانون رقم 66.23 المتعلّق بتنظيم مهنة المحاماة، حيز التنفيذ، بعد مسار نضالي وتشريعي شاق وعسير، ميزه الجدل والاحتجاج والاحتقان وشل عجلة المحاكم، وبذلك، خرج المحامون بخفي حنين، في معركة نضالية تشريعية حامية الوطيس، لم تنفع معها حرارة الإضراب والاحتجاج، بما حملته من كلفة على صورة العدالة والقضاء، ولم يجد معها رهان على محكمة دستورية، لم تبل البلاء الحسن في واحد من أقوى اختباراتها الدستورية، واختارت أن تنحني أمام العاصفة التشريعية، بمبرر وجود عيب شكلي في الإحالة.

نضال أصحاب البذل السوداء، الذي امتد لأسابيع طوال، يتجاوز حدود مشروع قانون لم ترض مقتضياته أو بعضها، المهنيين المخاطبين به، ويتخطى عتبات تشريع، تتقاطع فيه المصالح والهواجس والحسابات ما ظهر منها وما بطن، هو مرآة عاكسة لقواعد تشريعية مزاجية، باتت تحسم بمنطق العناد والتحدي والاستقواء وكسر العظام، وعلامة دالة على بنية سياسية وتشريعية، تصاغ فيها القوانين، بمنهج التحدي والاستقواء وفرض لغة الأمر الواقع، لا بضوابط الحوار والتشارك والإنصات والمصلحة الفضلى للمواطنين، ولا بقواعد الإسهام الجمعي، بمعزل عن الحسابات والمصالح السياسوية الضيقة، في صياغة تشريعات عصرية، دافعة في اتجاه كسب رهانات الأمن القانوني والقضائي، وتعزيز آليات دولة الحق والقانون والمؤسسات، والارتقاء بالأداء التشريعي ليكون في صلب مغرب يتطلع إلى الحداثة والصعود، وقبل هذا وذاك، تقوية الإحساس الفردي والجمعي بالثقة في العدالة والفاعلين فيها.

ما حدث في مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، هو امتداد بمستويات ودرجات مختلفة، لما حدث في تشريعات راهنة لمستقبل المغاربة لسنوات وربما لعقود من الزمن، من قبيل قانون المسطرة المدنية والجنائية، والقانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول، وقانون الإضراب وقانون إصلاح التقاعد، والقانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وغيره من التشريعات المثيرة للجدل، وكلها قوانين ميزها اللغط والرفض والاحتقان بين المهنيين والحكومة التي حسمت القوانين المذكورة  بطريقة “التايبريك” بلغة كرة المضرب، مدعومة في ذلك، بأغلبيتها البرلمانية، التي تحولت إلى أداة مطواعة، داعمة للحكومة ومعبرة عن خططها وتوجهاتها، بدل أن تكون هذه الأغلبية في خدمة الأمة ابتداء وانتهاء، ومتناغمة مع مصالحها وقضاياها وانتظاراتها، تجسيدا لمبدأ السيادة الشعبية.

حينما يتحول البرلمان إلى مجرد آلة تشريعية في خدمة الحكومة، وحين تكتفي المؤسسات الدستورية بالفرجة أو لا تتحمل مسؤولياتها الدستورية بالشكل المطلوب، حرصا على الدستور  وتعزيزا لدولة الحق والقانون والمؤسسات، وكبحا لأي سلوك حكومي دافع نحو الشطط أو الاستقواء أو التحكم، وحين يتم تحييد صوت الشعب فيما يتعلق بمشاريع أو مقترحات القوانين، تكون النتيجة، صياغة تشريعات على المقاس تفتقد للأجنحة اللازمة، التي تجعلها ترخي بكافة ضلالها على المغاربة المخاطبين بها قاطبة، وتكون المحصلة قواعد قانونية خارج دكة الإجماع المجتمعي.

تشريعات الجدل، وإن كانت من حيث الظاهر تعبر عن نجاح الحكومة المدعومة بأغلبية برلمانية مريحة، في فرض تصوراتها ووجهات نظرها، على الرافضين والمنتقدين والمعارضين، فإنها من حيث الباطن، تعكس سلوكات برلمانية وحكومية، تسائل الجدوى من الديمقراطية التشاركية والانتخابات التشريعية، في ظل حكومات تغرد خارج سرب المواطنين، والغاية من برلمان الأمة، الذي لا يجد حرجا في المصادقة على قوانين لا تنسجم مع مصالح المواطنين وانتظاراتهم وتطلعاتهم، خدمة منه للحكومة وحساباتها ومصالحها.

 وهذا الواقع التشريعي المأسوف عليه، يقوي الإحساس الفردي والجمعي بفقدان الثقة في الدولة والقانون والمؤسسات، ويضع المجتمع وجها لوجه، أمام قوانين بدون أجنحة، مقرونة بالرفض والسخط والإدانة والاحتجاج، ولدت من رحم التحكم والاستقواء وفرض لغة الأمر الواقع ضدا على الإرادة الشعبية، بمعزل عن قواعد الحوار والإنصات والتقاسم والتشارك، بكل ما لذلك، من مساس عمدي بروح القاعدة القانونية التي يفترض أن تكون قاعدة سلوكية واجتماعية وعامة ومجردة ومحصنة من أية حسابات سياسوية ضيقة، ومن تأثير واضح على الأمن القانوني والسلم الاجتماعي.  وفي المجمل، فالغاية من القانون، أن يكون معبرا عن روح سيادة الأمة، ومجسدا لمصالحها وقضاياها وتطلعاتها، بالشكل الذي تتحقق معه أهداف ومقاصد الأمن القانوني بمفهومه الواسع، لا أن يكون مرآة عاكسة لحسابات حكومة عابرة أو مزاج وزيــر راحل.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى