في الواجهةمجتمع

اختلالات بيداغوجية بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء

اختلالات بيداغوجية بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء

le patrice

السفير 24

في سياق التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم العالي، برزت خلال السنوات الأخيرة منصات إلكترونية متخصصة في توفير بنوك أسئلة متعددة الاختيارات (QCM) وملخصات دراسية موجهة لطلبة كليات الطب بالمغرب. ومن بين هذه المنصات، تحظى منصة MonQcm FMPC v2 بانتشار لافت في أوساط الطلبة، خاصة في مسار الطب العام، حيث تُستخدم كأداة مكملة للمراجعة في ظل ضغط البرامج الدراسية وتكثف الامتحانات.

وفي هذا السياق، وحسب مصادر “السفير 24″، فإن الإقبال المتزايد على هذه المنصات يعكس تحولا فعليا في سلوك التعلم لدى طلبة الطب، الذين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على الوسائط الرقمية لتجاوز إكراهات الزمن البيداغوجي وضغط الامتحانات، وهو ما يفتح في المقابل نقاشاً متنامياً حول طبيعة هذه الأدوات وحدود مشروعيتها الأكاديمية.

ومن جهة أخرى، تطرح هذه الدينامية الجديدة تساؤلات جوهرية: هل تمثل هذه المنصات دعامة بيداغوجية حديثة تسهم في تحسين التحصيل العلمي؟ أم أنها تؤسس لنموذج تعليمي موازٍ يشتغل خارج الأطر المؤسسية والرقابية المعتمدة داخل كليات الطب؟

وبالعودة إلى الميدان، تعكس شهادات عدد من الطلبة إقبالا ملحوظا على هذه المنصات، باعتبارها وسيلة عملية لتنظيم المراجعة وتسريع وتيرة الاستعداد للامتحانات. غير أن هذا الاعتماد المتزايد يكشف، في المقابل، عن اختلالات محتملة في منظومة الدعم البيداغوجي التقليدية، حيث يلجأ الطلبة إلى بدائل رقمية لتعويض ما يعتبرونه نقصاً في التأطير الأكاديمي.

وعلى مستوى المحتوى، توفر هذه المنصات آلاف الأسئلة المصنفة حسب الوحدات الدراسية، مرفقة بتصحيحات وملخصات، مع الإشارة أحياناً إلى مراجعتها من طرف أساتذة. غير أن غياب معطيات دقيقة حول هوية هؤلاء المساهمين، أو وجود لجان علمية معلنة، يطرح إشكالاً حقيقياً يتعلق بمدى موثوقية المحتوى العلمي ودقته، خاصة في تخصص حساس كالتكوين الطبي الذي يقوم على معايير صارمة في التحقق والتدقيق.

وفي المقابل، يثير الاعتماد المكثف على أسلوب QCM إشكالاً بيداغوجياً عميقاً، إذ يؤكد عدد من الباحثين أن هذا النمط، رغم أهميته كوسيلة تقييم، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن التعلم التحليلي. بل إن الإفراط في استخدامه قد يؤدي إلى ترسيخ الحفظ الآلي على حساب تنمية مهارات التفكير السريري والاستدلال الطبي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تعتمد هذه المنصات نموذج اشتراك مدفوع بتكلفة منخفضة نسبياً، ما يسهل ولوج شريحة واسعة من الطلبة إليها. غير أن هذا النموذج يثير بدوره تساؤلات حول الإطار القانوني المنظم له، وطبيعة الخدمات المقدمة، ومدى خضوعها لأي رقابة بيداغوجية أو مؤسساتية.

أما بخصوص مصادر المحتوى، فتظل المسألة أكثر تعقيدا، خاصة في ظل اعتماد بعض المنصات على نماذج امتحانات سابقة ومضامين دروس جامعية، دون وضوح بشأن طرق الحصول عليها أو وجود ترخيص رسمي لاستعمالها، وهو ما يفتح نقاشاً حول احترام حقوق الملكية الفكرية وحدود توظيف الموارد الأكاديمية خارج الإطار المؤسسي.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه المنصات تواكب التحول الرقمي في التعليم، وتوفر أدوات مرنة تساعد الطلبة على التكيف مع متطلبات الدراسة، خاصة في بيئة أكاديمية تعرف ضغطاً متزايداً. غير أن اشتغالها خارج أي إطار تنظيمي واضح يجعلها فاعلاً مؤثراً في مسار التكوين، دون أن تخضع للمعايير نفسها المفروضة على المؤسسات التعليمية.

وفي ضوء ما سبق، تبرز الحاجة إلى فتح نقاش مؤسساتي وأكاديمي معمق حول سبل تقنين هذا المجال، بما يضمن الاستفادة من مزاياه دون المساس بجودة التكوين الطبي. فالإشكال لم يعد مرتبطاً بجدوى هذه المنصات في حد ذاتها، بل بكيفية إدماجها ضمن منظومة تعليمية متوازنة تحافظ على المعايير العلمية وتستجيب في الآن ذاته لمتطلبات العصر الرقمي.

هذا ويظل مستقبل هذه المنصات رهينا بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الابتكار والامتثال للضوابط الأكاديمية، بما يضمن تكوين أطباء يمتلكون الكفاءة العلمية والمهارات المهنية لمواجهة تحديات الممارسة الطبية بكفاءة ومسؤولية.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى