في الواجهةكتاب السفير

حسام حسن: “فعل ماض” مبني على الصراخ

حسام حسن: "فعل ماض" مبني على الصراخ

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

بهدوءٍ يكاد يكون مستفزا، كانت الملاعب المغربية المحتضنة لمسابقات الكان تشتغل كساعة سويسرية، في المملكة الشريفة حيث الكرة تدور كأنها مبرمجة بخوارزميات “ناسا”: عمل بلا ضجيج، بلا خطب حماسية، وبلا حاجة إلى رفع الصوت لإثبات الذات. وعلى الطرف الآخر من المشهد، اختار “الكابتن” حسام حسن أن يكسر هذا الصمت الأنيق، رافعا راية “الزعيق الطبيعي” في وجه العصر، لإيمانه أن جودة المدرب تقاس بعدد عروق رقبته النافرة، وليس بعدد التمريرات الصحيحة. بالنسبة له، لا حاجة لخطط ولا لرسومات تكتيكية حديثة؛ الميكروفون يتحول إلى غرفة قيادة، والنبرة الحادة إلى بديل عن أي رؤية مستقبلية. فحين تعجز الأرقام عن الإقناع، يبقى الصراخ… آخر حصون الخطاب القديم المتلاشي.
لقد أصبح المشهد كاريكاتوريا بامتياز. المغرب يتحدث بلغة التكوين والأكاديميات، والمحترفين الذين يضبطون ساعاتهم على توقيت “الليغا” وانجازات المونديال، بينما يصر العميد على أن كرة القدم هي مجرد “خناقة شوارع” شريفة. في محاولة لإعادة تعريف اللعبة، فكرة القدم بالنسبة له ليست تمريرات ولا تمركزا، بل اختبار حبال صوتية استفزازية. الذكاء الاصطناعي ربما بدعة، والتحليل بالفيديو ترف، أما “الروح” فهي العملة الوحيدة التي لا تخضع للتضخم. هكذا يصبح الصراخ بديلا عن التخطيط، والاندفاع العاطفي سياسة رياضية رسمية في أكاديمية الكابتن.
ولأن لكل فكرة قواعدها النحوية الخاصة، فقد بات من الضروري إعراب اسم حسام حسن. نعم، إعرابه بسيط وواضح، فهو فعل ماض مبني على الصراخ وعلامة بنائه الصدمة من الواقع. يبنى هذا الفعل في سخرية مثيرة في ثلاث حالات لا رابع لها.
الحالة الأولى: إذا اتصلت به إنجازات “أسود الأطلس”، فيرتفع الصوت فجأة، لا إعجابا بالمنجز، بل رفضا له، كأن نجاح الآخر خطأ نحوي يجب تصحيحه بالصراخ.
الحالة الثانية: إذا اتصلت به “نا” الدالة على الفاعلين، مثل: خسرنا، تأخرنا، ظلمونا، فيتحول الفعل إلى نشيد جماعي، يغنى في المؤتمرات الصحفية بنبرة احتجاجية استعلائية، حيث يصبح الفشل ضميرَ جماعة لا مسؤوليةَ مدرب.
الحالة الثالثة: إذا اتصلت به نون النسوة، مثل: صرخن، اشتكين، تحسرن، وهنا يبلغ الفعل ذروة البلاغة، إذ يتحول الماضي إلى بكائية طويلة، تستدعى فيها أمجاد قديمة لتبرير حاضر مرتبك فاشل. ففي جميع الحالات، يبقى البناء واحدا: ماض لا يريد أن يتم تصريفه في زمن الحاضر.
في هذا السياق، لم يعد المغرب وانجازات منتخباته لكرة القدم مجرد منافس، بل صار ذلك الجار “غير المؤدب” الذي قرر أن ينجح بصمت. بنى منظومة كروية متطورة، احترم مدربيه، استثمر في الفئات السنية، وترك النتائج تتكلم عنه. هذا الصمت تحديدا هو ما يزعج “الكابتن”. فكيف يمكن هزيمة فريق لا يصرخ؟ كيف نواجه مشروعا لا يرد على الاستفزازات، بل يرد بتحقيق الأهداف والانجازات؟
الضحية الأولى في هذه المسرحية الساخرة هو اللاعب المصري. سيطلب منه أن ينافس خصم منظم، بعدة خطابية فقط. سيشحن نفسيا، ثم يترك وحيدا في الملعب، كجندي أُعطي مكبر صوت بدل درع. وعندما يخسر، يعاد إعراب الجملة: الفعل ماض… والفاعل مجهول… والنتيجة قدر.
يا كابتن. المغرب لم يصل إلى ما وصل إليه لأنه أتقن الصراخ والبكاء، بل لأنه أتقن العمل في صمت. لم يجعل من التاريخ عصا، ولا من “الروح” خطة لعب. فهمت جامعته الملكية أن كرة القدم الحديثة لا تصرف بالأفعال الماضية، بل تبنى بالمضارع المستمر هناك، وأن المستقبل لا يخاطب بالحناجر، بل بالمنظومات.
يا كابتن، لا زلت تعتقد أن رفع الصوت قادر على إيقاف قطار انطلق فعلا. والحقيقة المؤلمة أن القطار مر.. مخلفا وراءه صدى الصراخ.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى