
السفير 24
في المشهد الجامعي المغربي، حيث تتقاطع المعرفة القانونية مع أسئلة الإصلاح وحدود التحول المؤسسي، يبرز اسم الدكتور محمد زين الدين الأستاذ الجامعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، كأحد الأصوات الأكاديمية التي اختارت العمل في العمق بدل الظهور، والاشتغال على المفهوم بدل الارتهان للآني والظرفي. مسار علمي يتأسس على رؤية تعتبر الفكر الدستوري مدخلًا لفهم الدولة في بنيتها ووظائفها، لا مجرد حقل تقني محايد أو معزول عن سياقاته السياسية والتاريخية.
ومن هذا المنطلق، لا يُقاس حضور الدكتور زين الدين داخل الحقل الأكاديمي بعدد المنابر أو كثافة الظهور الإعلامي، بقدر ما يقاس بعمق الأثر الذي تتركه أعماله في النقاش العلمي، وبالبصمة التي يطبع بها تكوين الطلبة والباحثين. فالقانون الدستوري، في تصوره، ليس تجميعا لقواعد تنظم السلطة، بل تعبير عن توازنات اجتماعية وسياسية دقيقة، وعن اختيارات تاريخية تحدد شكل الدولة، وحدود الفعل السياسي، ومنطق اشتغال المؤسسات.
هذا الوعي النظري ينعكس بوضوح في ممارسته البيداغوجية داخل المدرج الجامعي. إذ لا يُقدَّم النص الدستوري كمعطى نهائي أو حقيقة مكتملة، بل كنقطة انطلاق للتفكير والتحليل، تفكك مفاهيمه، وتربط مضامينه بسياقات إنتاجه وتطبيقه. هنا، يتحول الدرس الجامعي إلى تمرين ذهني على الفهم النقدي، لا إلى عملية تلقين أو استظهار.
وفي هذا السياق، يتم استحضار المفاهيم المؤسسة من قبيل الشرعية والمشروعية، وتوازن السلط، ووظيفة الدستور ضمن نسق تحليلي يبرز علاقتها ببنية الدولة وبمنطق اشتغال مؤسساتها. وبذلك، لا يعود التعليم مجرد نقل للمعرفة، بل يصبح عملية بناء للعقل القانوني، وتدريبا على قراءة النص في ضوء الممارسة، وعلى إدراك العلاقات غير المرئية بين القانون والسياسة.
ولا ينفصل هذا التوجه البيداغوجي عن اختياراته في البحث العلمي. فكتابات الدكتور محمد زين الدين تنتمي إلى نمط من الاشتغال الأكاديمي الذي يراهن على الزمن الطويل للفكر الدستوري، ولا ينخرط في منطق التفاعل السريع مع الأحداث.
كما أن القضايا التي يشتغل عليها تطرح ضمن أفق تحليلي هادئ، يستحضر المقارنة، ويحسن توظيف الأدوات المفاهيمية، مع حرص واضح على تجنب التبسيط أو الخطاب التقريري.
وتبرز، في هذا الإطار، اهتماماته المرتبطة بالترتيبات الدستورية لتدبير المجال، وبآليات تنظيم العلاقة بين المركز والمحيط. وهي اشتغالات لا تقدم كأجوبة جاهزة، بل كقراءات قانونية تُبرز إمكانات النص الدستوري وحدوده، وتعيد النقاش إلى أرضيته العلمية، بعيدا عن الاختزال السياسي أو التوظيف الظرفي.
كما تحضر القضايا السيادية في أعماله ضمن مقاربة قانونية صارمة، تُعلي من شأن ضبط المفاهيم، وتميز بدقة بين المستويات القانونية والسياسية، وتبني الحجة على أساس تماسك النصوص واستمرارية الدولة. هذه معالجة تتسم بالهدوء والعقلانية، وتخاطب الفضاء الأكاديمي والمؤسساتي بلغة واحدة، قوامها الاتساق والمنهج.
وعلى مستوى المسؤولية الأكاديمية، لا ينفصل تدبيره عن هذه الرؤية الفكرية. فالمؤسسة الجامعية، في تصوره، ليست مجرد جهاز إداري، بل فضاء لإنتاج المعرفة وترسيخ تقاليد علمية قائمة على الجدية والاستقلال. ومن ثم، يشكل تشجيع البحث العلمي، وتحفيز النقاش الرصين، وربط التكوين الجامعي بالقضايا الكبرى للمجتمع والدولة، عناصر أساسية في هذا التصور الذي يجعل من الجامعة فاعلًا في النقاش العمومي، لا مجرد فضاء مغلق على ذاته.
وتكتسي هذه التجربة دلالة خاصة في سياق يواجه فيه التعليم العالي تحديات متزايدة، سواء على مستوى الجودة أو المعنى. إذ تُظهر تجربة محمد زين الدين أن الاشتغال الأكاديمي، حين يبنى على رؤية واضحة ومسؤولية معرفية، قادر على الحفاظ على فعاليته وتأثيره، حتى في غياب الضجيج أو الادعاء.
هذا، ويبقى الأستاذ محمد زين الدين نموذج لأكاديمي اختار أن يمنح للفكر دوره التفسيري، وللقانون وظيفته التحليلية في فهم الدولة، وللجامعة رسالتها في تنمية العقل النقدي. فحضور يتسم بالهدوء والرصانة، غير أنه بالغ الأثر، يبرهن أن المعرفة، متى مورست بوعي علمي ومسؤولية فكرية، تظل من الدعائم الجوهرية للاستقرار وترسيخ الشرعية في المجتمعات الحديثة.



