
السفير 24 – ذ. عبد الفتاح العقيلي
تمهيد
لعل أكثر ما يُمتحن به أهل التصوف في زماننا ليس إنكار خصومهم عليهم، بل الخلط الذي ينشأ من أهله أنفسهم حين يُسوَّى بين مقام الكشف الباطني ومقام الحكم الشرعي الظاهر. وأبرز صور هذا الخلط ما يقع في مسألة الاستخلاف حين تُحمَّل وصية الشيخ ما لا تحتمل: فتُرفع من مقام التوثيق إلى مقام الإلزام، ومن الإلزام إلى ما يشبه القطع الذي لا يُراجع، ومن القطع إلى التكفير الرمزي لمن خالف. والغاية هنا ليست التشكيك في التقليد، بل تحرير المسألة من إجمالها: فالاستخلاف عند الأوائل لم يكن نمطا واحدا، ولم تكن الوصية حجة مطلقة بذاتها، ولم يُلبس الكشف البشري ثوب الوحي الإلهي.
أولا: أنماط الاستخلاف في التراث
عُرف عن الصوفية في تعيين من يقوم مقام الشيخ ثلاثة أنماط: النص الصريح على رؤوس الأصحاب، والإشارة والرؤيا، والإجازة الخطية. وكلها تتفق على قاعدة واحدة: أن التربية سابقة للتسمية، وأن الأهلية شرط لا تغني عنه الوثيقة.
والنمط الأقوى هو النص الصريح، كوصية الشاذلي بأبي العباس المرسي في رحلته الأخيرة سنة 656هـ، حين قال لأصحابه علنا: «إذا أنا مت، فعليكم بأبي العباس المرسي؛ فإنه الخليفة من بعدي». وهذا التعيين له ثلاثة معالم: أنه كان علنا لا سرا، وأنه جاء متأخرا جدا أي ختم مسيرة لا افتتح مشروعا، وأنه كان بتلميذ سبقت سيرته وصيته. ثم سلك المرسي السبيل ذاته مع ابن عطاء الله، في سلسلة تربوية امتدت ثلاثة أجيال، كل خلافة منها بنص صريح إلى من سبقت صحبته وأهليته.
أما الإجازة الخطية فنمط تأخر نسبيا، ثم استقر عند بعضهم حتى صار المتصدرون يعلقون إجازاتهم على جدران الزوايا بنبرة تشبه نبرة النص المحفوظ. وقد انتقد بعض المحققين من داخل التراث هذا التوجه، حتى جاء في بعض أدبيات الشاذلية الدرقاوية أن «ما ضر التصوف إلا اعتماد الإجازة الخطية التي خدعت المريدين». والمعنى المحرر: أن الورقة لا تنشئ خلافة من عدم، وإنما هي في أحسن أحوالها كاشفة عن حقيقة سابقة. فإن وجدت الأهلية والسيرة المشهود بها، كانت الورقة توثيقا. وإن خلت، بقيت حبرا على ورق.
وهنا يلزم الانتباه إلى فرق دقيق: بين «الكشف عن موجود» و«إنشاء مفقود». فمن يقول إن الوصية كاشفة عن إذن موجود في كتم الغيب، يحتاج أن يجيب عن سؤال بسيط: ما الذي يثبت أن هذا الكشف مطابق للواقع؟ الجواب عنده واحد: ثقتنا في ولاية الشيخ الكاشف. وهذا يعني أن الدليل على صحة الوصية هو الوصية نفسها، والدليل على صحة الكشف هو ثقتنا في الكاشف. وهذا استدلال دائري. والقوم الأوائل لم يبنوا طرقهم على هذا النمط، بل جعلوا الأهلية شيئا مشهودا بالعيان يشهد به الخاص والعام، ثم تأتي الوصية توثقه لا تنشئه.
ثانيا: تعدد الخلفاء أم خليفة واحد؟
يشيع تصور أن الوصية لا تنعقد إلا لواحد، وأن كل طريقة لا بد أن يكون لها في كل جيل شيخ مفرد. غير أن الواقع التاريخي أعقد: فالمصادر الأولى توثق تعدد الخلفاء عن الشيخ الواحد بوصفه الغالب لا الاستثناء.
فالشيخ أحمد التجاني (ت 1230هـ) استخلف علي حرازم برادة مدون «جواهر المعاني»، ومحمد بن المشري صاحب «الجامع»، ومحمد الحافظ الشنقيطي الذي حمل الطريقة إلى غرب أفريقيا. والشيخ مولاي العربي الدرقاوي (ت 1239هـ) خلف مقدمين كبارا تفرعت عنهم طرق متعددة: المدنية، والعلاوية، والبوزيدية، والهبطية. فالدرقاوية عائلة طرق تجتمع في الأصل وتتميز في الفروع.
وهذه النماذج تبطل ادعاء أن كل طريقة لا تُعرف إلا بخليفة واحد. بل الأصل في الصحبة الكبرى أن الشيخ يربي جماعة، ويأذن لمن بلغ منهم درجة الإرشاد. أما حصر الأمر في واحد، فخيار تنظيمي لا أصل شرعي، قد يكون مبررا في ظرف، لكنه لا يصلح قاعدة كونية يُنكر على من خالفها.
ثالثا: في التمييز بين الكشف والوحي
من أدق ما يُصاب به التصوف في ضعفه أن يلتبس الفرق بين الوحي والكشف. فالوحي ما نزل على الأنبياء، وقد خُتم بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ملزم منشئ للحكم الشرعي محفوظ بالعصمة. أما الكشف فما يُفتح به على الأولياء، وهو بتصريح المحققين أنفسهم لا يخرج عن عرضه على الكتاب والسنة، ولا يبيح تشريعا، ولا ينشئ حكما على غيره. قال الجنيد في كلمته المشهورة الثابتة عند الخطيب البغدادي وأبي نعيم والقشيري: «علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يُقتدى به».
وهذا الأصل ينتج حكما واضحا في مسألة الوصية: إن كشف الولي مهما بلغ حجة على نفسه لا على غيره. فإذا انكشف للشيخ أن فلانا هو الأصلح، فهذا يقين في قلبه، مصدَّق فيه عند من يحسن الظن به. لكنه لا يرقى إلى مرتبة الحكم الشرعي الملزم لكل مريد. والفرق بين «أنا أصدقك» و«أنا ملزَم بتصديقك» فرق جوهري: الأول إيمان واختيار، والثاني تكليف لا يكون إلا بوحي.
ومن هنا يتبين أن كل استدلال يُساق لتبرير كون وصية بعينها «صادرة عن إذن إلهي» أو «عن الحضرتين»، إنما يخلط بين بابين متمايزين عند أهل العلم: باب الكشف الذي يحل للولي أن يصدق فيه في نفسه، وباب التكليف الذي لا يحصل إلا بالوحي المعصوم. ولا ينجي من هذا المأزق أن يُقال: «نحن لا ندعي أنه وحي، بل كشف من الحضرة». فإن العبرة بالأثر لا بالتسمية: فإذا كان الأثر هو الإلزام المطلق، وعدم جواز المراجعة، والتبرؤ ممن خالف، فهذه أحكام الوحي مع تغيير الاسم، وتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
ومن أعجب ما يُساق أن يُقاس فعل الشيخ في كتابة الوصية على فعل الله في كتابة الأقدار، فيُقال: كما أن كتابة الله للمقادير لا تُعترض لأنها تدوين لما علمه بعلمه المحيط، كذلك كتابة الشيخ للوصية لا تُعترض لأنها تدوين لما انكشف له. وهذا قياس فاسد من جهتين: الأولى أنه قياس مع الفارق الجوهري، إذ علم الله علم محيط لا يدخله خطأ ولا نقص، وكشف الولي مهما عظم مبني على قلب بشري يصيب ويخطئ باتفاق المحققين. والثانية أنه ينزل الشيخ في باب الوصية منزلة الله في باب القدر، وهذا غلو في التعظيم لا يقبله عقل ولا شرع.
رابعا: المنطق الدائري والمحكم والمتشابه
من أخطر البنى الحجاجية ما يمكن تسميته بـ«الجدار المغلق»: من شك في الوصية شك في الشيخ، ومن شك في الشيخ شك في ولايته، ومن شك في الولاية خرج من الطريق. وبهذا المنطق يتحول كل سؤال مشروع إلى اتهام بالخيانة. وهو يقوم على مقدمة ضمنية: أن كل ما يصدر عن الشيخ في الاستخلاف من باب الكشف المعصوم. وهي مقدمة لا يقبلها محقق: فالكشف يُعرض على الكتاب والسنة، ولا عصمة بعد الأنبياء.
وقد يُستدل لإسكات السؤال بمقولة: «من قال لشيخه لِمَ لم يفلح». وهذه المقولة لها سياق: وهو الأمر السلوكي الذي لا يدرك المريد حكمته في حينه. أما تمديدها لتشمل السكوت عن تعيين من يقوم مقام الشيخ في مسألة تتعلق بمصير طريقة بأكملها، فتوسع فاسد. ويُعرف في الأصول: لا يُستدل بأعم على أخص معين.
ومن أذكى ما يُصنع أن يُستعار إطار المحكم والمتشابه من القرآن ثم يُسقط على الوصية: فيُقال إن الوصية والبشارات هي المحكم، وإن الاعتراضات هي المتشابه الذي لا يُتبع إلا ابتغاء الفتنة. وهذا فاسد من وجهين. الأول: أن إطار المحكم والمتشابه وُضع للوحي المنزل، وهو كلام الله المعصوم. فنقله إلى كلام بشري مهما عظم قائله خلط بين الوحي والكشف، وهو عين ما ننتقده. والثاني: أنه لو سلم بجواز الاستعارة تنزلا، لكان المحكم هو ما تقرر في الكتاب والسنة من أصول كختم النبوة وعدم العصمة لغير الأنبياء، والمتشابه هو الكشف البشري الذي يحتمل الصواب والخطأ. فمن قلب هذا الترتيب فجعل كشف الشيخ محكما وأصول الشريعة متشابها، فقد فعل بالضبط ما حذرت منه الآية: اتباع المتشابه وتقديمه على المحكم.
خامسا: الانحرافات الثلاث
الأول: اشتراط البراءة ممن لم يعترف بالوصية، بحيث يُصاغ العقد بلفظ يجعل من عدم الاعتراف خيانة تستتبع قطع الصحبة. وقد يُستشهد بقوله تعالى: «فمن نكث فإنما ينكث على نفسه». وهذا يحتاج إلى تأمل: فالآية نزلت في بيعة الرضوان، والعهد فيها مع النبي المؤيد بالوحي المعصوم. ففي إسقاطها على وصية استخلاف في طريقة من تعظيم الوصية ما لم يدعه لنفسه أكابر القوم. والولاء الشرعي في المحكم من القرآن إنما يكون «لله ورسوله والذين آمنوا»، لا لشيخ بعينه ولا لوصية بعينها.
الثاني: رفع الوصية إلى منزلة شبيهة بالوحي، فتُقرأ بنبرة النص المنزل، ويُقال إنها «نسمات من الحضرة القدسية»، وإن الشيخ «ما كان ليصبر على تلاوتها في مرضه لولا الإذن الرباني». وبهذا تتحول مسألة تنظيمية اجتهادية إلى مسألة عقدية يكفَّر المخالف فيها رمزيا.
الثالث: احتكار البركة، وهو الأخطر أثرا. فيُربى المريد على أن نفعه الروحي مشروط بالاتصال بسلسلة بعينها، وأن انقطاعه عن الموصى له انقطاع عن المدد. وهذا التصور يُوظف بوصفه عقوبة نفسية ضمنية: من خالف الوصية حُرم البركة. فتصير البركة — وهي في أصلها فضل من الله يجري حيث يشاء — أداةَ ضبطٍ مؤسسي. والأولون لم يتكلموا بهذا المنطق. فالبركة عندهم تابعة لصدق الطلب لا لصك الانتساب.
سادسا: الاستخلاف التربوي والاستخلاف الوراثي
الإشكال لا يقوم حين يكون الابن أو الحفيد هو الأهل فعلا. الإشكال يقوم حين يُجعل النسب قرينة مسبقة على الأهلية، ثم تُكتب الوصية لتسد باب السؤال أصلا. فهنا ينقلب الترتيب: بدل أن تكون الوصية كاشفة عن استقامة، تصبح هي الدليل الوحيد عليها. قال القشيري في الرسالة في صفة الشيخ: «لا تصلح المشيخة لمن لم تشهد أحواله بصدق نسبته». فجعل المعيار في الحال المشهود لا في الوثيقة. ومن جعل الوثيقة بديلا عن ذلك، فقد خالف القشيري في الرسالة التي يزعم الاستناد إليها.
وقد يُدفع بمقولة: «من سبقت له العناية لم تضره الجناية»، ويُستشهد بحديث المهدي: «يصلحه الله في ليلة». وهذا يحتاج إلى تأمل من ثلاثة وجوه. الأول: أنه يجعل الأهلية مؤجلة، وهذا يناقض صراحة ما قرره القشيري من اعتبار الحال الحاضر لا الوعد المرتجى. ومن قال «سيُصلح لاحقا»، فقد اعترف بأنه غير صالح الآن، وهذا عين ما يقوله المعترضون. الثاني: أن حديث المهدي يتكلم عن حالة فريدة مرتبطة بإخبار نبوي غيبي، لا عن قاعدة عامة تُطبق على كل موصى له. الثالث: أن هذا القول يفتح بابا لا يُغلق: فكل من ادعى وصية يستطيع أن يقول مهما ظهر من سلوكه إن العناية ستتداركه. وبهذا يسقط كل معيار ظاهري، ويصبح الحكم على المشيخة رهينا بالانتظار لا بالمشاهدة.
سابعا: حرية المريد في طلب ما يقربه إلى الله
يُنسى أن المريد المسلم حر في أن يبحث عن الشيخ الذي يقربه إلى الله، وأن يتحول عنه إن وجد عند غيره ما هو أنفع، ما دام ذلك في حدود الأدب والشرع. وهذا ليس كلاما نظريا، بل قانون السيرة السلوكية عند القرون الأولى، مسطور في مسيرات كبار القوم أنفسهم.
فالإمام الغزالي دون في «المنقذ من الضلال» رحلته بين المتكلمين والفلاسفة والباطنية حتى انتهى إلى الصوفية، فلم ير غضاضة في الانتقال بين المدارس حتى يطمئن قلبه. والشيخ أبو الحسن الشاذلي رحل بين المغرب والمشرق يطلب القطب، واتصل بكبار العلماء والزهاد، حتى دله شيخ في المشرق على عبد السلام بن مشيش بالمغرب. فطواف الأرض في طلب الشيخ من سنة مؤسس الطريقة الشاذلية نفسه.
والفرق بين الثبات الواعي والقيد المفروض فرق جوهري. الثبات ينبت من الحب والقناعة، والقيد يُبنى على الخوف من البراءة. الثبات يبقي المريد على صلته بالله أصلا، والقيد يجعل رضاه عن شيخه شرطا في رضا الله عنه. والمعيار بينهما يسير: انظر إلى ما يحدث للمريد إن طرح سؤالا. فإن وُجد من يجيبه بعلم وصبر، فتلك صحبة حية. وإن قوبل بالتخوين، أو بالتلويح بسقوط المدد، أو بالإيحاء بأن السؤال ذاته علامة «زيغ في القلب»، فليست تلك تربية، بل مؤسسة تدافع عن نفسها بأدوات العقيدة.
وقد يُلجأ لتصنيف المعترض في خانة «أهل الجدل» المذمومين. وهذا يحتاج إلى تدقيق: فإن أهل الجدل في كلام الأوائل هم الذين ينكرون أصل الولاية، ويقولون: لا أولياء لله في الأرض. أما من يؤمن بالولاية ويعتقد في مشايخ الطريقة، لكنه يسأل عن مسألة تنظيمية معينة كتعيين الخليفة، فليس من الجدل المذموم في شيء. وشتان بين من يقول «لا أولياء» ومن يقول «هذه الوصية المعينة تحتاج إلى مراجعة». والخلط بين المقامين تلبيس يستغل هيبة التراث لتحصين موقف معاصر من النقد.
خاتمة
وصية الاستخلاف تقليد شريف، له أصله وفائدته. لكنها تبقى تدبيرا بشريا يُعرض على الكتاب والسنة كغيره. والكشف مهما صدق لا يلزم إلا صاحبه. والبركة فضل من الله لا تحتكره جهة بمقتضى وثيقة. و«الحكم على الشيء فرع عن تصوره» لا فرع عن التسليم به مسبقا. وحرية المريد في طلب ما يقربه إلى الله أصل شرعي لا يُصادر بوصية ولا ببراءة.
والذي يحسم هذا الباب ليس كثرة التوثيق ولا بلاغة الإنشاء ولا تواتر الشهادات داخل دائرة مغلقة، بل سؤال واحد يطرحه المريد على نفسه في خلوته: هل تقودني هذه الصحبة إلى الله، أم إلى جهة تحتكر الطريق إلى الله؟ فإن في الجواب الصادق عن هذا السؤال ما يغني عن ألف وصية.
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
ابن عطاء الله السكندري، لطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي.
ابن الصباغ، درة الأسرار وتحفة الأبرار في أخبار أبي الحسن الشاذلي.
القشيري (أبو القاسم)، الرسالة القشيرية في علم التصوف.
أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء.
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد.
الغزالي (أبو حامد)، المنقذ من الضلال.
علي حرازم برادة، جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التجاني.
مولاي العربي الدرقاوي، مجموع الرسائل.
ملاحظة:
قول الجنيد «علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة» ورد بألفاظ متقاربة في تاريخ بغداد للخطيب (7/251)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (10/264)، والرسالة القشيرية (ص 431).



