في الواجهةكتاب السفير

خلف كواليس الكرة الذهبية: لماذا يُحرم الأفضل من حقهم في الاعتراف؟

خلف كواليس الكرة الذهبية: لماذا يُحرم الأفضل من حقهم في الاعتراف؟

le patrice

السفير 24 – جمال إشبابي – باريس

لا يزال اسم أشرف حكيمي يتردد في قوائم المرشحين المحتملين للكرة الذهبية. بعد ستة أعوام من التألق اللافت، بدأها مع ريال مدريد، ثم أضاء سماء بوروسيا دورتموند وساهم في فوز إنتر ميلان بلقب الدوري الإيطالي، قبل أن ينتقل إلى باريس سان جيرمان ويفوز معه بأربعة ألقاب للدوري الفرنسي، بالإضافة إلى أربعة ألقاب أخرى محلية. لكن الإنجاز الأبرز، الذي لا ينساه أي عربي أو أفريقي، هو قيادته لمنتخب بلاده إلى دور الثمانية في كأس العالم، في إنجاز تاريخي لأول مرة.

ورغم كل هذا التألق، يبقى السؤال الذي يتردد على الألسنة: لماذا لم يكافأ حكيمي بأي من ترشيحات الكرة الذهبية حتى الآن؟

الجواب ليس في أداء حكيمي، ولا في موهبته الفطرية التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان، بل في ثنايا تاريخ جائزة لطالما كانت مصدرا للجدل والخصومة، ووراء كواليسها قانون تمييزي صارم لا يمنح الاعتراف إلا لمن يستحقونه في أعين الأوروبيين. فمنذ عقود، لم تعد الكرة الذهبية مرآة تعكس أداء اللاعب الأفضل، بل أصبحت مرآة تعكس حسابات ضيقة، وعقلية فجة لا تعترف إلا بلاعبي الصف الأول في الدوريات الأوروبية الكبرى.

في هذا التحقيق، سنقوم بقراءة عكسية لتاريخ الكرة الذهبية. لن نبحث عن الفائزين، بل عن الضحايا. عن الذين كانوا الأحق، ولكن قوانين المسابقة المجحفة حرمتهم من اعتراف دولي مستحق. من زيدان الذي حُرم من اللقب لصالح فيغو منذ ربع قرن، إلى فان دايك الذي سُلب حقه منذ ست سنوات، مرورا بريبيري الذي خسر اللقب أمام رونالدو في عام 2013، وسنتوقف أيضا عند مظلومية الأفارقة، الذين ظلمتهم الجائزة بسبب قوانينها الانتقائية، وعلى رأسهم محمد صلاح ورياض محرز، وأخيرا وليس آخرا، أشرف حكيمي الذي لا تزال حظوظه قائمة، ولكنه يعاني من التمييز الذي يفضل لاعبين آخرين عليه، مثلما يحدث حاليا مع زميله في النادي عثمان ديمبيلي، الذي تدعمه الصحافة الموجهة وفريقه.

فهل تستمر الجائزة في إقصائها للنجوم، أم أن الوقت قد حان لتغيير قوانينها؟

سنغوص في هذا التحقيق في جزء من تاريخ الجائزة المظلم المتحيز، وخلف كواليسها، ونكشف أسرارها، ونتقصى أسباب إقصاء نجوم لا يمكن لعشاق كرة القدم أن يختلفوا على أحقيتهم في التتويج بها.

تاريخ ظالم: قراءة عكسية للكرة الذهبية

لم يعد أشرف حكيمي مجرد فخر للمغاربة في فرنسا، بل صار فخر العرب والمسلمين والأفارقة جميعا، لاعبا يتجاوز حدود الجغرافيا ليجسد طموح الملايين من الشباب الذين يرون فيه صورة الحلم الممكن. من شوارع مدريد إلى ملاعب الدوحة، ومن أزقة الدار البيضاء إلى مدرجات “بارك دي برانس”، ارتقى الظهير المغربي إلى مرتبة الرمز؛ رمز للإصرار الذي لا يعرف حدودا، وللطموح الذي يتحدى الحسابات الضيقة في مكاتب تصويت مظلمة. لقد صار حكيمي مرآة لجيل كامل، لا يكتفي بالاندماج في كرة القدم الأوروبية، بل يطالب بحقه في أن يعترف به بين كبارها وأساطيرها.

أساطير كروية مسلوبة الحق

على مدى تاريخ الكرة الذهبية، لم تكن الجائزة مرآة صافية تعكس دائما اللاعب الأحق بها، بل كثيرا ما تحولت إلى مصدر جدل حاد بسبب اختيارات بدا معها الوصيف، أو حتى المرشح الثالث، أكثر جدارة من المتوج الرسمي. هذا الخلل البنيوي في منطق التصويت جعل الجائزة في أعين الكثيرين أقرب إلى اعتراف سياسي أو تسويقي منها إلى حكم كروي نزيه.

لنعد إلى عام 2000، حين منح اللقب للويس فيغو بعد انتقاله التاريخي إلى ريال مدريد. انتقال صنع عناوين الصحافة وأضفى هالة على اللاعب البرتغالي، لكن الحقيقة أن زين الدين زيدان كان قد قدم بطولة أوروبية أسطورية قاد فيها فرنسا للفوز بالأورو 2000. كثيرون اعتبروا أن المنطق كان يفرض تتويج “الموسم الذهبي” لزيدان لا صخب السوق الكروية الذي رافق فيغو.

جدل الألقاب الفردية والجماعية

المشهد تكرر سنة 2006 مع إيطاليا. فابيو كانافارو رفع الكأس الذهبية بعدما قاد الأزوري للفوز بالمونديال، لكن أصواتا وازنة تساءلت: أليس جيانلويجي بوفون هو البطل الحقيقي لتلك البطولة بتصدياته الحاسمة؟ مرة أخرى، فضلت الجائزة سردية القائد على حساب الحارس الذي أنقذ أمة بأكملها.

ثم جاء عام 2010 ليكتب إحدى أكثر الصفحات إثارة للجدل. ليونيل ميسي فاز عن جدارة بأرقامه الفردية مع برشلونة، لكن أندريس إنييستا كان من سجل هدف التتويج التاريخي لإسبانيا في نهائي كأس العالم. لم يكن الخلاف بين “جيد وسيئ”، بل بين “رائع وأسطوري”، وبين لحظة خالدة في ذاكرة الإنسانية الكروية وبين أرقام فردية قابلة للتكرار.

وفي 2013، جاء الدور على فرانك ريبيري ليعيش مرارة الشعور بالظلم. كان مهندس ثلاثية بايرن ميونخ التاريخية، ومع ذلك فضلت الجائزة كريستيانو رونالدو وأهدافه المتدفقة. لم يشكك أحد في عظمة البرتغالي، لكن كثيرين تساءلوا: ألم يخلق التتويج لليال مثل تلك التي قدمها ريبيري مع بايرن؟

عام 2019 منح الذهب مجددا لميسي، رغم أن فيرجيل فان دايك كان قلب دفاع ليفربول الذي أعاد دوري الأبطال إلى خزائنه، بعد موسم دفاعي شبه مثالي. كان يمكن أن تكون تلك اللحظة التاريخية الأولى لمدافع منذ كانافارو، لكن بريق الأهداف والمهارات الفردية أزاح ثقل العمل الدفاعي جانبًا.

معايير التصويت: بين الأداء الفردي والجماعي

تعتمد مجلة “فرانس فوتبول” على ثلاثة معايير أساسية عند اختيار اللاعب الأفضل. أولا، يتم التركيز على الأداء الفردي والجماعي خلال العام، حيث يتم تقييم إنجازات اللاعب مع ناديه ومنتخب بلاده، سواء تعلق الأمر بالألقاب الجماعية أو الإحصائيات الفردية المميزة. ثانيا، تؤخذ قيمة اللاعب في الاعتبار، وهو معيار يركز على موهبته، سلوكه داخل وخارج الملعب، والتزامه باللعب النظيف. وأخيرا، يتم تقييم المسيرة الكروية للاعب بشكل عام، وليس فقط أداءه في الموسم الأخير. ورغم أن هذه المعايير تبدو موضوعية، إلا أنها تترك مساحة واسعة للتقدير الشخصي للمصوّت، مما يفسر التباين في الاختيارات، حيث يركز البعض على الألقاب بينما يولي آخرون أهمية أكبر للأرقام الفردية.

أرشيف الكرة الذهبية: حقائق وأرقام جدلية

على مدار تاريخها الطويل، شهدت جائزة الكرة الذهبية العديد من الحقائق والأرقام البارزة، لكنها لم تخل من الجدل. يتصدر الأرجنتيني ليونيل ميسي قائمة الأكثر تتويجا بثمانية ألقاب، يليه البرتغالي كريستيانو رونالدو بخمسة ألقاب. وفيما يخص المراكز الدفاعية، لم يفز بالجائزة سوى ثلاثة مدافعين فقط: فرانز بيكنباور، وماتياس زامر، وفابيو كانافارو. ويظل الحارس الروسي ليف ياشين هو الحارس الوحيد في التاريخ الذي حصد اللقب في عام 1963.

جدل عام 2013: كيف غير تمديد التصويت النتيجة؟

يعد عام 2013 واحدا من أكثر الأعوام إثارة للجدل في تاريخ الجائزة، فالنتائج الرسمية كشفت عن تقارب شديد بين الثلاثة الأوائل: كريستيانو رونالدو (27.99%)، ليونيل ميسي (24.72%)، وفرانك ريبيري (23.36%). كان كثيرون يرون أن ريبيري هو الأحق بالجائزة بعدما قاد بايرن ميونخ لتحقيق الثلاثية التاريخية. لكن حدث تحول مفاجئ عندما تم تمديد الموعد النهائي للتصويت لأول مرة في تاريخ الجائزة، وهو قرار جاء بعد تسجيل رونالدو ثلاثة أهداف حاسمة في مباراة الملحق المؤهل لكأس العالم، مما منحه دفعة قوية في اللحظات الأخيرة. هذا التمديد، بالإضافة إلى مزاعم لاحقة بتغيير أصوات بعض المدربين، عزز الاعتقاد بأن الجائزة لم تمنح بناء على الأداء الشامل للموسم، بل تأثرت بأحداث فردية وضغوط سياسية.

عام 2010: الصحفيون يختارون سنيدر، والجائزة تذهب لميسي

في عام 2010، كانت الجائزة لا تزال تحت الشراكة بين مجلة “فرانس فوتبول” والاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، مما سمح لمدربي وقادة المنتخبات الوطنية بالتصويت إلى جانب الصحفيين. ورغم أن النتائج النهائية منحت اللقب لميسي، إلا أن تحليل أصوات الصحفيين وحدهم كشف عن تفضيلهم لويسلي سنيدر. كان سنيدر قد قاد إنتر ميلان لتحقيق ثلاثية تاريخية، ووصل مع منتخب بلاده إلى نهائي كأس العالم. هذا التباين في النتائج يوضح كيف أن توسيع قاعدة المصوتين قد يغير مسار الجائزة، حيث فضلت أصوات المدربين وقادة المنتخبات أداء ميسي الفردي، بينما ركز الصحفيون على إنجازات سنيدر الجماعية.

عام 2019: فارق النقاط الضئيل ودور الأصوات الجغرافي

كانت المنافسة في عام 2019 محتدمة بين ليونيل ميسي وفيرجيل فان دايك، حيث فاز ميسي بفارق سبع نقاط فقط. ورغم أن فان دايك حصل على عدد أكبر من الأصوات التي وضعته في المركز الأول، إلا أن ميسي تفوق في النقاط الإجمالية بفضل الدعم الكبير الذي حظي به من قارات أمريكا الجنوبية والشمالية وأفريقيا. هذا التحليل الدقيق كشف أن أصوات القارة الأفريقية كانت حاسمة، فبينما كان من المتوقع أن تذهب نقاطها لساديو ماني، مالت أصواتها لميسي، مما أثر بشكل غير مباشر على نتائج فان دايك وساهم في فوز ميسي بفارق ضئيل.

هذه الأمثلة تؤكد أن الكرة الذهبية محصلة لعملية تصويت معقدة، تتأثر بمعايير مختلفة، وأحيانا بقرارات جدلية أو تحيز إعلامي وجغرافي يغير مسار النتائج.

عندما تظلم القارة السمراء

حتى في 2022، حين بدا التتويج حتميا لكريم بنزيمة بعد موسمه الخرافي مع ريال مدريد، شعر كثيرون بأن ساديو ماني لم ينصف بما يكفي. فقد جمع بين كأس إفريقيا مع السنغال، والتأهل إلى كأس العالم، ووصافة دوري الأبطال مع ليفربول. الجائزة ذهبت لمن يستحق، نعم، لكنها في الوقت نفسه قللت من شأن إنجازات تاريخية لقارة بأكملها.

في نفس السياق الإفريقي، يبقى اسم محمد صلاح حاضرا كمثال على حدود اللعبة. في 2018 و2019 كان بين الخمسة الأوائل، لكن غياب دوري الأبطال في موسم، وإقصاء منتخب مصر المبكر في المونديال، أزاحاه خلف مودريتش ثم ميسي. بدا وكأن أهدافه الساحرة لم تكف وحدها دون الكؤوس الأوروبية الثقيلة. أما رياض محرز، فقد لمع في 2016 مع إنجاز ليستر التاريخي، ثم توهج مع مانشستر سيتي محليا، لكنه اصطدم دائما بسقف دوري الأبطال: الألقاب المحلية وحدها لا تشفع في ميزان الكرة الذهبية.

أشرف حكيمي: بين الإنجاز والتمييز

واليوم، يقف أشرف حكيمي في قلب هذا الجدل. الظهير المغربي الذي يقدم أداء ثابتا مع باريس سان جيرمان، ويقود منتخب بلاده كأحد أفضل المدافعين في العالم، احتل صدارة استطلاعات الرأي لدى جماهير كرة القدم، خاصة عبر استفتاءات كبرى مثل استطلاع “ليكيب” الفرنسية حيث تصدر الأصوات بشكل مريح. على الورق، يملك حكيمي كل مقومات اللاعب العصري: سرعة، صلابة، حضور هجومي ودفاعي، وأثر مباشر في نتائج فريقه ومنتخب بلاده. لكن رغم هذا، لا يبدو أن مسار الجائزة يمنحه ما يكفي من الاعتبار، إذ تكشف النتائج أن التصويت الصحفي يميل إلى معايير انتقائية تحمل في طياتها تمييزا واضحا، وأن أي التفاتة نحو حكيمي لا تأتي إلا تحت ضغط جماهيري كاسح، يقيه من تبخر ٱماله أمام ثقل الحسابات التقليدية التي تحكم الجائزة.

وهكذا، من زيدان 2000 إلى صلاح ومحرز وفان دايك، تتكرر نفس الحكاية: الجائزة لا تكافئ دائما “الأفضل”، بل من يحقق المعادلة الكاملة. أرقام فردية مبهرجة وحدها لا تكفي، وألقاب كبرى وحدها لا تضمن الفوز، لكن اجتماع الاثنين هو التذكرة الذهبية. أما من يملك نصف المعادلة فقط، فيبقى مجرد وصيفٍ خالد في ذاكرة النقاش، لا في قائمة الفائزين.

ولكن مع أشرف حكيمي، تبدو المعادلة مختلفة. فموسما بعد آخر، استطاع أن يجمع بين كل ما سبق: أرقام فردية مميزة، وألقاب جماعية مع ناديه، وإنجاز تاريخي مع منتخب بلاده لم يسبقه إليه أحد. هو اللاعب الذي يمتلك الرصيد الكامل، ورغم ذلك، لا يزال يقف على أعتاب قائمة مختصرة يسيطر عليها منطق الإقصاء.

فهل سيتمكن حكيمي من تحطيم هذا السقف الزجاجي الذي يحجب الأضواء عن عظمته؟ وهل سينتصر على حسابات التمييز التي ترسم في الكواليس؟ ربما لا تزال كل الاحتمالات واردة، لكن ما هو مؤكد أن معركة الكرة الذهبية ليست مجرد سباق أرقام وإنجازات فوق المستطيل الأخضر، بل هي صراع إرادات ونفوذ وتسويق، يصنع فيه الأساطير أو يتم تجاهلهم في صمت.

لكن، حكيمي لا ينتظر من أي كان أن يصنع له مجدا على المقاس، فحكيمي هو المجد والأسطورة الذي لا يقاس عليه

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى