في الواجهةكتاب السفير

الحرب الإيرانية الإسرائيلية كشفت حقيقة الصراع بين البلدين

الحرب الإيرانية الإسرائيلية كشفت حقيقة الصراع بين البلدين

le patrice

السفير 24- بقلم: حيمري البشير –  الدنمارك

في الحقيقة، ما قامت به إيران مؤخرًا لا يمكن اعتباره دفاعًا عن الفلسطينيين المحاصرين في غزة، ولا عن الشهداء الذين سقطوا منذ السابع من أكتوبر، بل هو تحرك متأخر هدفه الأساسي حماية مشروعها النووي، الذي يشكل تهديدًا لا لإسرائيل فقط، بل أيضًا لعدد من الدول العربية في الشرق الأوسط، خصوصًا تلك التي تختلف معها مذهبيًا.

منذ سنوات، تعمل إيران على خدمة أجندتها الإقليمية التي تتماشى مع رؤيتها المذهبية الشيعية، حيث سعت إلى نشر هذا المذهب خارج حدودها، في أكثر من بلد عربي، ما ساهم في تأجيج الصراعات والانقسامات داخل العالم الإسلامي. وليس التشيع في حد ذاته هو محور الجدل، بل ما ترتب عن محاولات فرضه من توتر مذهبي وصراع أضر كثيرًا بوحدة الأمة.

قد يرى بعض المراقبين، خاصة من أهل السنة والجماعة، أن سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي يخدم مشروعها الإقليمي المرتبط بالتشيع، ويزكي حالة الاستقطاب الطائفي في المنطقة، وهو ما لا يخدم مصلحة الإسلام ولا المسلمين.

أنا لا أكن أي حقد طائفي تجاه الشيعة، فهم جزء من الأمة الإسلامية، ويعتبرهم كثير من المسلمين أتباعًا للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. غير أنني، وفي الوقت نفسه، لا أقبل مسلسل المؤامرات الذي تورط فيه أفراد محسوبون على هذا التيار، خصوصًا ما ارتبط بالدور الإيراني في دعم حركات انفصالية، كجبهة البوليساريو، التي كانت أحد الأسباب الرئيسة لقطع المغرب علاقاته مع طهران سنة 2019.

ولا يمكن أن أتجاهل حادث اغتيال إسماعيل هنية في طهران – إن صحت الرواية – وهو الذي زارها لتهنئة الرئيس الإيراني الجديد. لم يُفهم بعد كيف تم اغتيال زعيم سياسي من هذا الوزن على أرض حليفة، وتحت أنظار نظام يدعي دعم المقاومة. اغتياله يطرح أكثر من سؤال حول حجم الاختراق الإسرائيلي داخل إيران، خاصة في ظل ما شهده العالم من عمليات تصفية استهدفت علماء ذرة إيرانيين، دون أن تتمكن طهران من كشف الحقيقة أو وقف هذا النزيف الاستخباراتي.

لقد كشفت الحرب الأخيرة هشاشة النظام الأمني الإيراني، وفشله في حماية مشروعه النووي، كما عرّت عجزه عن دعم حقيقي وفعلي للقضية الفلسطينية، فإيران لم تُفلح لا في ردع إسرائيل، ولا في تحصين الداخل الإيراني من الاختراق، ولا حتى في حماية حلفائها في المنطقة.

وإن تحرك إيران لنُصرة غزة جاء متأخرًا، فإنه لن يُغفر لها من قبل فصائل المقاومة، خصوصًا حركة حماس، التي فقدت أحد رموزها على الأراضي الإيرانية.

وفي سياق آخر، يطرح الشارع العربي تساؤلات كثيرة حول طبيعة العلاقة بين النظام الإيراني والجزائر، والدور الذي لعبته طهران في دعم جبهة البوليساريو بالسلاح والتدريب، على أراضيها، في تحالف واضح مع نظام الكابرانات ضد وحدة المغرب الترابية. فبعد علاقات جيدة مع إيران في عهد الشاه، اختارت طهران في العقدين الأخيرين التحالف مع أنظمة فقدت مصداقيتها، وأبرزها الجزائر، التي تسعى جاهدة لخلق “دويلة” في الأقاليم الجنوبية المغربية.

وإذا كانت إيران قد فشلت في دعم مشروعها السياسي، فإن الأنظمة التي تدور في فلكها، وعلى رأسها الجزائر وتونس، تسير في نفس الاتجاه. الأنظمة التي تبنت مبادرات فاشلة، لم تجد لها صدى في الشارع العربي، وكان أبرزها المؤتمر المشترك الذي لم يستطع حتى احترام خريطة المغرب كاملة، ومرّرها من دون أقاليمه الجنوبية، في خطوة وُصفت بالخيانة، وسط صمت مريب من الوفد المغربي المشارك.

مصير الأنظمة التي تصطف مع إيران، وعلى رأسها نظاما الجزائر وتونس، مرشح لأن ينتهي إلى العزلة، بسبب الفشل السياسي والاقتصادي المتفاقم، وفقدان الدعم الشعبي، والانغماس في سياسات إقليمية مدمّرة.

ورغم كل الخلافات المذهبية، فإننا كعرب ومسلمين لا نتشفى في أي اعتداء على دولة إسلامية، حتى وإن كنا نختلف معها. فالرابطة الإسلامية تفرض التضامن مع كل دولة تتعرض للعدوان، من دون أن يعني ذلك القبول بتحالفها مع قوى تحيك المؤامرات ضد دول شقيقة.

أخيرًا، فإن الصراع بين إيران وإسرائيل لا ينبع من تعاطف إيران مع فلسطين، بل من رغبة إسرائيلية واضحة في ضرب المشروع النووي الإيراني، الذي لا يُهدد تل أبيب فقط، بل يشكل هاجسًا للعديد من العواصم العربية، كالقاهرة والرياض وأبو ظبي. ومع استمرار التصعيد، سيظل الشرق الأوسط يدفع ثمن الاصطفافات الخاطئة، وتناقضات المواقف.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى