
*أحمد لعيوني
ازداد المهدي الحلفي بتاريخ 15 مارس 1939 بدوار أولاد موسى، قبيلة لحلاف التابعة لدائرة ابن أحمد امزاب. اشتغل والده شيخا على قبيلته، ثم تولى القيادة على قبائل لحلاف وأولاد اعمر وبني ريتون وأولاد زهرة حمداوة من سنة 1947 إلى 1956. وعرف بالقائد صالح الحلفي، كان على قدر لا بأس به من التعليم، حيث حفظ القرآن الكريم ودرس قواعد اللغة العربية. يعود أصل أولاد موسى بحسب الروايات إلى قبيلة بني موسى بمنطقة تادلة، وهاجر أجدادهم إلى حيث يقيمون حاليا. كما أن قبيلة لحلاف نفسها توجد منها فروع بعدة مناطق، منها بنواحي خنيفرة، وفي شرق المغرب، وفي ناحية سطات، وأيضا بالمذاكرة إقليم بنسليمان. وتحكي الروايات القديمة بأن أصل لحلاف من اليمن، وتفرقوا في عدة مناطق من المغرب، حين كانت هجرات القبائل العربية إلى شمال إفريقيا من شبه الجزيرة العربية متوالية.
ازداد والده القائد صالح الحلفي سنة 1908 بنفس القبيلة، اشتغل في البداية بتجارة الحبوب بالإضافة إلى مساعدة والده في الأشغال الفلاحية، الذي ورث عنه أراضي كثيرة. توفي والده الشيخ محمد بلحاج سنة 1932، وسبق له أن شارك في حركة تازة خلال عشرينيات القرن الماضي. بعد وفاته خلفه الشيخ محمد ولد عمورة من دوار الشميطيين، بعد أن عمل جنديا بالقوات الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى.
يحكي المهدي الحلفي، “منذ بلوغي خمس سنوات انتقلت للسكن بمركز ابن أحمد استعدادا لمتابعة الدراسة، نظرا لكون الوالد يتوفر على سكن بالمدينة. بدأت الدراسة بالكتاب، ثم دخلت المدرسة العصرية، وكانت تسمى المدرسة الإسلامية. تتكون هذه المدرسة من قسمين وتوجد خلف المسجد العتيق بجوار حمام المدينة، وتم هدمها لكون البناية تلاشت. كنا نستيقظ يوميا مع حلول الفجر للذهاب إلى الكتاب لحفظ القرآن الكريم قبل التوجه إلى المدرسة التي تفتح أبوابها على الساعة الثامنة والنصف. درست عند الفقيه بنطيبي وأصله من زاوية الحاج التاغي.
ولجت المدرسة الأوربية صحبة أخي إدريس بعد أن قضينا سنتين بالمدرسة الإسلامية، لأن والدي كان يرغب في ذلك النوع من الدراسة. وسبق أن كان أحد أعمامي أصغر من والدي يدرس بمدرسة القائد الحسن بن العربي بميلس، واقترحت عليه إدارة المدرسة توجيهه إلى المدرسة العسكرية، فرفض جدي تعليمه إلى جانب الفرنسيين. لكن فيما بعد استوعب والدي فكرة مضادة، وأعجب بالتعليم الأوربي لما كان يلاحظه من تفوق الفرنسيين في المناصب التي يشغلونها.
أخي إدريس بعثه الوالد إلى المدرسة العسكرية بمكناس في سن الثانية عشر مباشرة بعد مرحلة التعليم الابتدائي. ولم يتحمل هذا النوع من التعليم، نظرا لقسوة التمارين الرياضية التي كانت تلقن لتلاميذ هذه المدرسة، في سن مبكرة، بالإضافة إلى التنظيم العسكري الصارم، لكنه كان مرغما على ذلك. وبعد قضائه سنته الأولى بها أخبر الوالد بأنه لم يعد يتحمل مشاق هذه الدراسة ويرغب في مغادرتها، لكن رد فعل الوالد كان صارما، ليسير في الاتجاه الذي خطه له، ورفض رفضا قاطعا مغادرته التعليم العسكري. وعند انقضاء العطلة الصيفية فكر في الانتحار بواسطة بندقية الصيد في ملكية الوالد، إلا أن الطلقة التي صوبها نحوه لم تصب سوى يده وبترت أحد أصابع يده اليسرى، وحمله الوالد إلى عيادة خاصة بالدار البيضاء قضى بها حوالي شهر، ورافقته خلال علاجه. وبعد شفائه ألزمه بالعودة إلى المدرسة العسكرية، وأكمل دراسته بها إلى أن تخرج ضابطا، وأنهى حياته المهنية برتبة كولونيل ماجور بالقوات المسلحة الملكية. أما أنا فتابعت دراستي بالمدرسة الأوربية بابن أحمد ثم انتقلت إلى مستوى الإعدادي بالثانوية الإسلامية، كانت تسمى ثانوية أبناء الأعيان بحي الحبوس بالدار البيضاء بالقسم الداخلي (حاليا ثانوية فاطمة الزهراء). ودرس معي بنفس المؤسسة مصطفى لمزابي، كان والده مدرسا بخريبكَة، وأصبح دبلوماسيا بعد تخرجه من إحدى الجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية. وكان أيضا أحمد عتيق الذي كان يلعب ضمن فريق اتحاد ابن أحمد لكرة القدم، ويكنى مارتنيز، وأصبح كولونيلا بالشرطة، وياسين ابن ليوتنان السبتي، كانا يكبراني سنا. وأكملت التعليم الثانوي بليسي ليوطي إلى حدود الباكلوريا، كما حصلت على دبلوم الترجمة. وقد اجتزت امتحان القوات العسكرية تخصص الطيران، ولما أخبرت الوالد بذلك منعني بدعوى كون أخي الأكبر إدريس في الجندية، بينما أخي الأصغر عبد الصادق لم يتجاوز بعد السابعة من عمره، ولم يتقبل أن يبقى وحيدا دون سند من أبنائه الذكور للوقوف بجانبه، ومساعدته على تسيير شؤون الفلاحة. فما كان علي سوى الالتحاق بسلك الوظيفة العمومية، واشتغلت بمصلحة الاقتصاد بوزارة التربية الوطنية بثانوية ابن ياسين بخريبكَة.
من بين الأساتذة الذين درست عندهم بابن أحمد، أذكر منهم الفرنسي موسيو باسكيي، ومدرس اللغة العربية سي لشهب. وخلال العطلة الصيفية في مرحلة الدراسة الابتدائية، كان والدي يأتي بموظف يشتغل بالمحافظة العقارية بالدار البيضاء، خلال عطلته السنوية، ليدرسنا اللغة العربية وقواعدها أنا وأخي، ولا يبقى لنا متسع من الراحة لنتمتع بالعطلة. وفي المساء يأتي سي لشهب أو سي زروال لتحفيظنا القرآن الكريم.
كانت الوضعية الاجتماعية لسكان قصبة ابن أحمد كأنها عائلة واحدة. الجميع يعرفون بعضهم البعض. كنا نحن الأطفال نلعب كرة القدم بين الأحياء. كانت السيارات الخصوصية قليلة. أما العلاقة بين السكان المغاربة والأوربيين فكانت محدودة، رغم أنني درست بالمدرسة الأوربية، فلم أقم معهم علاقات صداقة متينة.
قضيت السنتين الأوليين بالمدرسة الإسلامية، ثم قرر والدي نقلي إلى المدرسة الأوربية، لكونه كان معجبا بهذا النوع من التعليم نظرا لكون خريجيه كانوا يحتلون مناصب مهمة في الإدارة. ولما أخبرت بذلك، كنت أقوم بتوزيع الصدقات على المساكين، وأدعو الله أن لا يتوفق والدي في مسعاه حتى لا ألج هذا التعليم مع الفرنسيين الذين يتقنون لغتهم جيدا، وسأجد صعوبة في متابعة هذه الدراسة. وأتذكر وأنا بالقسم الخامس، وخلال كل الدورات، حصلت على الرتبة الأولى، وفي امتحان آخر السنة تساوت نقطي مع زميلي الفرنسي، كان والده رئيسا لمصلحة المياه والغابات. لكن مدير المدرسة منح الفرنسي الجائزة الأولى، بينما قدم لي الثانية، ولما اشتكيت الأمر لوالدي، فأخبر رئيسه المراقب المدني الذي قام باستفسار المدير، وبرر هذا الأخير قراره بكونه أراد تشجيع التلميذ الفرنسي لكونه بذل مجهودا كبيرا في تلك الدورة الدراسية، ولكي يبقى مستمرا في التفوق. إلا أن المراقب المدني نبهه إلى أن هذا السلوك غير لائق، وما كان عليه القيام به، لأنه عمل متحيز ومخل بالعدل بين التلاميذ. كان مديراُ ويدرس قسمنا في نفس الوقت، وكان يعنف التلاميذ لأبسط خطأ، اسمه باسكيي Pasquiet . كان اغلب التلاميذ فرنسيين ومعهم قلة من أبناء الأعيان, وبعض الجزائريين كان آباؤهم من رجال الدرك. من بين التلاميذ الذين درسوا معي، Bénéto كان والده يشتغل بإدارة الفلاحة. كانت مدام لانLaane تدرس التلاميذ وتسير المدرسة الإسلامية خلف المسجد الأعظم.
أما ممارسة أعمال التجارة، وخاصة بيع المواد الغذائية فكان يقوم بها أشخاص أمازيغ قدموا من سوس، أذكر من بينهم، محمد بنيدير، والإخوة أمهال، وبحسب الروايات فإن أقدمهم استقر بالمركز في الثلاثينيات من القرن الماضي. ولم يدرس معي أي أحد من أبنائهم، لأنني لم أقض بالمدرسة الإسلامية سوى سنتين، أما المدرسة الأوربية التي أكملت بها التعليم الابتدائي فلم يكن يقبل بها من المغاربة سوى أبناء الأعيان.
مارست كرة القدم مع أقراني في الحي. ولما انتقلت إلى الدار البيضاء، كنا نشارك في دوري المدارس. وعندما وظفت بمدينة خريبكَة مارست كرة اليد بتشجيع من أبناء الباشا أحمد الشرادي، كنا نتعارف منذ الصغر نظرا للصداقة التي كانت تربط والدهم بوالدي. وانخرطت بنادي أولمبيك خريبكَة- لوصيكا التابع لإدارة الفوسفات. وأصبحت أمارس ضمن الفريق الأول، وفزنا ببطولة المغرب لخمس مرات في سنوات الستينيات. كما شاركنا خارج المغرب بألمانيا وفرنسا. كنت عميدا للفريق عدة سنوات. ومن بين اللاعبين الذين شاركوني في الفريق : الماحي صالح، الماحي الحاج، الماحي عبد السلام، بن الصابر، الشرادي عبد الحميد، بقيادة المدرب أحمد رفالي. وبالإضافة إلى كرة اليد، مارست هواية القنص. تدربت على يد والدي، الذي كان على دراية بالقنص واستعمال السلاح. كان يضع قطعة بطاطس فوق أنبوب نافورة المياه بوسط المنزل وأتدرب على إصابتها بواسطة بندقية صغيرة carabine، وأنا حينها ابن الثانية عشر من العمر. ولما بلغت سن العشرين اقتنيت بندقية صيد ذات طلقتين، وأصبحت أمارس هذه الهواية خلال عطلة نهاية الأسبوع صحبة فريق من أصدقائي، نسافر إلى الغابات بجبال الأطلس. وكنت أستمتع كثيرا برحلات الصيد، لأنها تجعل الشخص يكون معارف من الأصدقاء، ونقضي معا أوقاتا ممتعة. وقد مارست هذه الهواية بشغف، واستمررت فيها إلى حدود سنة 1968، عند وفاة الوالد، حينها أصبحت ملزما بالتوجه خلال عطلة نهاية الأسبوع لتفقد الأشغال بالضيعة بقبيلة لحلاف ضواحي ابن أحمد. وبقيت أمارس هوايتي في فترات متقطعة. لقد مارست الرياضة في صغري وفي شبابي، واستطعت من خلالها معرفة الكثير من الأشخاص وكسب العديد من الصداقات، وبفضلها حققت الاطمئنان النفسي والترويح عن الذات، بالإضافة إلى الحفاظ على الصحة الجسمانية.
التطبيب والمستشفى: بالنسبة للنساء، وخاصة الأسر المحافظة، كما هو الحال لدى عائلتي، كنّ لا يخرجن من الدار ولا يذهبن إلى المستشفى للعلاج. كان والدي بحكم منصبه، يتصل بالمراقب المدني أو بالطبيب مباشرة لكي يبعث بممرض أو ممرضة إلى المنزل لمعاينة المريضة، وإحضار الدواء. أما الرجال والأطفال عندما يتقدمون إلى المستشفى فيستقبلون بسهولة ويتم فحصهم دون عراقيل، ويقدم لهم العلاج. في صغري أتذكر المستشفى الذي كان في المكان الذي بنيت فوقه، فيما بعد، المحكمة الابتدائية، التي أصبحت تسمى حاليا قضاء الأسرة. كان يشتغل به الممرض المكي، كان أعرج وله شهرة بهذا المستشفى. وعملت به كذلك الحاجة فاطنة الحلفية، كانت امرأة مسنة لما عرفتها.
كنا نذهب لنتفرج في مباريات كرة القدم التي كانت مقابلاتها تجري بالملعب القديم المقابل لبناية التعاونية الفلاحية (لاسكام). ولذلك سمي الحي الذي أقيم بالمكان بدرب الكرة، جنوب السوق القديم (حي الخير). وأتذكر خلال إحدى المقابلات التي استقبل فيها فريق اتحاد ابن أحمد، فريف أولمبيك خريبكَة، وكان الجمهور المشجع يهتف “ابن أحمد وي وي، ولوصيكا نو نو”.
أتذكر معرض اليانصيب (السويرتي) الذي يقدم الفرجة والموسيقى وألعاب الحظ. كان يقام قرب منزلنا بطريق سطات لمدة شهر خلال السنة. اشتريت مرة ورقة وطلع رقمها على العجلة التي تحدد الرابح. فخيرني المشرف على العملية بين عدة جوائز، واخترت من بينها كرة لولعي بلعب كرة القدم. ولما تسلمتها اعترض سبيلي طفلان أكبر مني سنا، واختطفاها مني، وحاولا الفرار، لكن شابا قوي البنية انتزعها منهما وأعادها إلي. وفي الأيام التي لا يقام فيها المعرض، كنا ننظم بالمكان مقابلات في كرة القدم، وغالبا ما كنا نلعب حفاة، لعدم توفرنا على أحذية رياضية، وخوفا من إتلاف أحذيتنا العادية.
بين منزلنا وحي القصبة كانت تقوم بناية البريد، وهي عبارة عن منزل صغير بسقف من القرميد الأحمر، وقربها المدرسة الإسرائيلية التي يوجد بجوارها منزل الفرنسية مدام شولو، وهي مشهورة بظهورها كثيرا أمام باب منزلها. وقرب السوق العصري للخضر والفواكه الذي يعود بناؤه إلى سنة 1915، بشارع فرنسا، شارع محمد الخامس حاليا، يوجد متجر مدام موريل تباع به المواد الغذائية والمشروبات الكحولية، وكان يساعدها ابنها كلود. وبعد وفاة زوجها تزوجها أورتيكَا صاحب المخبزة العصرية. درست معي بنتها نيكول، وغادرت الدراسة من المستوى الابتدائي، واشتغلت بالصيدلية المجاورة للمتجر”.
في منتصف الأربعينيات أقيم ورش الإحسان ببوحولة في طريق سيدي حجاج، وآخر بسيدي الشميطي قرب عين وكَري، خلال سنوات الحرب وفي ظروف المجاعة، يحكي عبد السلام الجبلي، صديق المهدي الحلفي، وهو من مواليد سنة 1937. “كان يجمع بهما المرضى المصابون بالأوبئة من التيفوس والكوليرا وغيرها. الورش تقام به مجموعة نوايل يحيط بها سور تحرسه القوات العمومية من المخازنية، ويقدم لقاطنيه الطعام، مكون من خبز وحساء”.
ويضيف عبد السلام الجبلي : “ولجت المدرسة سنة 1949 حين شيدت بأمر من القائد صالح الحلفي وجهه إلى والدي الذي كان أحد معارفه. المدرسة المتكونة من قاعتين، وكانت تابعة لبرنامج التنمية الفلاحية :”قطاع التحديث القروي” بدوار أولاد موسى. شيدت المدرسة فوق أرض وهبها القائد صالح الحلفي لهذا الغرض، وإلى جانبها مستودع الآلات التابعة للقطاع الفلاحي. كان القائد صالح الحلفي، حافظا للقرآن الكريم وعلى دراية بقواعد اللغة العربية، وكان في بعض الأحيان يزور إحدى المدارس القروية التابعة لدائرة نفوذ قيادته، ويتطوع بإلقاء درس في اللغة العربية.
وقد حدث مرة أن كان القائد بسوق ثلاثاء لولاد في إطار مهمته، التحق به أحد سكان القبيلة التابعة لنفوذ سلطته واسمه ولد امحيريش، يرغب في السماح له بمغادرة ابنه للدراسة، وقدم له خروفا، لكن القائد أمر أحد أعوانه بمرافقة الرجل إلى سوق البهائم قصد بيعه، وألزم والد الطفل باقتناء لوازم الدراسة، وهدده بالعقاب إن هو أقدم على إلزام الطفل مغادرة الدراسة. وتابع التلميذ دراسته، والتحق بأسلاك الوظيفة، وأصبح فيما بعد مديرا لمركز فلاحي بإقليم طنجة. كان من بين مدرسينا، عبد الله السطاتي الذي أصبح فيما بعد مدربا لفريق النهضة السطاتية لكرة القدم. والعباسي وهو من سطات كذلك، وآخر اسمه بوزيد من أصل جزائري، وقيس من مراكش، وفرنسي اسمه باكَات. ودرست عند الفقيه الرجائي كان يأتي من زاوية الحاج التاغي ممتطيا حمارا. وكان في حال تخلف أحد التلاميذ عن الدراسة، يراسل المدرس السلطة المحلية ليتكلف أعوانها بإلزام ولي أمره بإعادته لمتابعة الدراسة تحت طائلة معاقبته إن رفض. وفي سنة 1954 ألزمني والدي على مغادرة الدراسة بعد أن قدم عذرا لمدير المجموعة المدرسية بمركز ابن أحمد، كان اسمه فوريستيي، بداعي عجزه عن تسيير أعمال الفلاحة، وحاجته إلى ابنه ليساعده، رغم كوني اجتزت امتحان الدخول إلى مدرسة التكوين الفلاحي بواد النعناع التي أنشئت سنة 1952، وكان يتخرج منها تقنيون فلاحيون.
بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى شهر نونبر 1955، تم إطلاق سراح رجال المقاومة المعتقلين المنتمين إلى دائرة ابن أحمد، أتذكر من بينهم، أحمد بلفقير، والجيلالي مجدي، والجيلالي بن رحال، حوكموا بالإعدام من طرف محكمة المستعمر الفرنسي لقيامهم بأعمال فدائية. وبعد الإفراج عنهم أقيم لهم احتفال بقبيلة لحلاف، حيث كان يساعدهم من أبناء القبيلة بوعزة الكيرد وأخوه بنداود وآخرون. وبعد حصول الاستقلال اتخذوا لهم مقرا بثلاثاء لولاد، وكنت أرافق عمي الذي كان ضمن المجموعة وأساهم في كتابة تقارير الاجتماعات. وقد ذهبت مع الوفد الذي سافر إلى الرباط للمشاركة في احتفالات مشاهدة استقبال السلطان سيدي محمد بن يوسف حين عودته من المنفى، تنقلنا على متن الشاحنات.
ذهبت لرؤية الملك محمد الخامس ضمن وفد قبيلتي عند زيارته لمركز سيدي حجاج بامزاب، قصد إعطاء انطلاق موسم الحرث لسنة 1958 وتشجيع الفلاحين على استعمال الآلات الفلاحية العصرية التي تضعها مصالح الفلاحة رهن إشارتهم.
في 1960 نظمت الانتخابات الجماعية، كانت قبيلة لحلاف تابعة للمركز المستقل لابن أحمد، ويمثل قبيلة لحلاف ستة مستشارين. وكانت الأحزاب السياسية المشاركة هي حزب الاستقلال باللون الوردي، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية باللون الأزرق. وفي الانتخابات البرلمانية لسنة 1963 أضيف إليهما حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية باللون الأبيض”.
انتخب عبد السلام الجبلي عضوا بالغرفة الفلاحية عن دائرة قبيلته، التابعة لإقليم سطات سنة 1976. ثم انتخب مستشارا بالجماعة القروية لحلاف سنة 1992، حينها أصبحت جماعة مستقلة، وأول رئيس لها هو صالح بوعبيد.
يضيف عبد السلام الجبلي ضمن حديثه، “لما نعيد ذكريات العقود الماضية، وفترة الشباب، فإننا نحس بإعطاء الماضي قيمة النضج والتعقل فيما بين الأصدقاء، والمعاملة بين الأبناء والآباء، ومدى الاحترام والطاعة لأوامرهم. كنا ننظر إليهم بأنهم حكماء زمنهم. وأن نصائحهم وتوجيهاتهم نبراس ينير لنا الطريق، وخطة يلزم إتباعها لمن يصبو إلى النجاح في حياته.
كنا نسكن خيمة، وننتقل بها من مكان إلى آخر حسب الفصول السنوية للبحث عن أماكن وفرة الكلأ للماشية، وأشغال الفلاحة الأخرى. بجانب السكن الرئيسي للعائلة، كان والدي يقيم خيمة صغيرة للفقيه مدرس القرآن الكريم للصبيان. وأتذكر الفقيه الرحماني. كنا نستيقظ مبكرا لحفظ سور من القرآن قبل التوجه إلى المدرسة العصرية. وفي المساء نعيد استظهار ما حفظناه صباحا. ولم يتم التحول من سكن الخيمة في البادية إلى النوالة حتى بداية الأربعينيات. وكان بعض الأشخاص مختصين ببنائها من القصب والقش المتبقي بعد حصاد سنابل القمح. ثم تنوعت النوايل بإدخال بعض التحسينات، ليكون نصفها السفلي مبني بالحجارة على شكل دائري أو مستطيل. أما الدور المبنية بالصلب فكانت قليلة جدا ولا يملكها سوى بعض أثرياء القبيلة. ومع منتصف الأربعينيات ظهرت غرف مبنية من الحجارة إلى جانب النوايل، نظرا لبداية تحسن الأوضاع المعيشية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وفي أواخر الخمسينيات انقرض سكن الخيام. ومع مطلع الستينيات أخذ سكن النوايل يزول، وبدأت تحل محله الدور بمختلف مستوياتها.
وبعد حصول المغرب على الاستقلال، بدأت ظروف المعيشة تتحسن، وانطلق العمران. كما بدأت تظهر بوادر التحرر مما تركة المستعمر في نفوس السكان من تخويف وقمع ومصادرة المنتجات الزراعية وبهائم الذبح خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. وخفت وطأة الجفاف أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات. ساهمت هذه العوامل في التنمية الاقتصادية والتحولات الاجتماعية بسرعة غير مسبوقة. تغيرت بشكل تدريجي ظروف المعيشة من السكن والغذاء واللباس، وبناء المدارس بالبوادي. وظهرت بوادر علاقات متينة بين العائلات مبنية على الاحترام والمودة والتآزر، إلا أن أغلب هذه الخصائص لم تدم طويلا.”



